أسود هنا وحملان هناك! - فهمي هويدي
كتبهاممدوح حسين ، في 9 نوفمبر 2009 الساعة: 05:20 ص
حين زارت وزيرة الخارجية الأمريكية مصر، فى أعقاب تصريحها البائس الذى وصفت فيه عرض نتنياهو وقفا جزئيا للاستيطان بأنه «غير مسبوق»، توقعت أن تخرج الصحف المصرية فى اليوم التالى بعنوان يقول: القاهرة طلبت إيضاحات من واشنطن حول موقفها من الاستيطان. لكن ظنى خاب. وجاء العنوان الرئيسى لصحيفة الأهرام (عدد 5 نوفمبر) كالتالى: كلينتون تؤكد للرئيس أن مصر شريك أساسى إقليميا وعالميا! ــ وهو ما يعنى أن «الأهرام» اهتم بإبراز مديح وزيرة الخارجية للدور المصرى. واعتبره الخبر الرئيسى وهو المديح الذى دأب عليه المسئولون الأمريكيون، استجابة لنصائح مستشارى الشئون العربية فى واشنطن الذين أفهموا أولئك المسئولين بأن النفخ فى الزعماء العرب وامتداح دورهم فى العلن. يلين جانبهم ويدغدغ مشاعرهم ويشبع رغبتهم فى أن يظهروا أمام شعوبهم بمظهر العظماء الذين يشتركون فى تقرير مصير العالم. وللقريبين من أجواء البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية. كلام كثير فى هذا الموضوع ينسب إلى أولئك المستشارين الذين ينتمى بعضهم إلى أصول عربية، نصائح محدودة يتم تلقينها للمسئولين الأمريكيين لاتباعها فى لقاءاتهم بالزعماء العرب أو أثناء زيارتهم لبلادهم. ويتحدث هؤلاء عن تأثر الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات كثيرا، حينما اصطحبه الرئيس كلينتون بعد لقائه ذات مرة. حتى أوصله إلى باب السيارة التى أقلته. ويشيرون إلى أن الرئيس أوباما حينما امتدح رئيسا عربيا زار واشنطن وقال أثناء المؤتمر الصحفى الذى أعقب الزيارة أنه استمع إلى «نصائحه»، قائلين إن العبارات التى استخدمها كانت معدة سلفا وأنها لم تكن تعبيرا عفويا وليد اللحظة!
معلوماتى عن اجتماع السيدة كلينتون مع الرئيس مبارك لا تتجاوز ما نشرته الصحف عن تصريحات منسوبة إلى وزير الخارجية المصرى. التى قال فيها إن كل طرف طرح رؤيته إزاء عملية السلام. ونقل عن السيدة كلينتون قولها إن السياسة الأمريكية بخصوص عدم شرعية المستوطنات لم تتغير. وأن مصر تريد «ضمانات» من الولايات المتحدة بأن تؤدى مفاوضات للسلام إلى قيام دولة فلسطينية. وانتهى السيد أبوالغيط إلى القول بأن مصر تؤيد بشكل كامل الموقف الأمريكى الذى يعكس الاقتناع بقيام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضى المحتلة عام 67. وإن تم ذلك من خلال تبادل الأراضى (ياللهول!). وهو كلام كان طبيعيا أن ترحب به الوزيرة الأمريكية، ذلك أنه إذا كانت القاهرة تؤيد بشكل كامل الموقف الأمريكى إزاء القضية، فلا غرابة فى أن تصبح شريكا أساسيا لأمريكا فى الشرق الأوسط.
هذا الكلام الدبلوماسى المجامل يصدمنا من أكثر من زاوية. فمن الواضح أن السيدة كلينتون جاءت لتحقيق أهداف، من بينها محاولة التخفيف من آثار تصريحها البائس الذى امتدح فيه نتنياهو واعتبرت موقفه «غير مسبوق»، رغم أنه لم يغير شيئا من عجرفته. ونحن بالكلام الناعم الذى أعلناه، ساعدناها على عملية التجمل التى سعت إليها. والمفارقة أنه فى الوقت الذى أعلنا فيه تأييدنا الكامل للموقف الأمريكى إزاء القضية، وتلقفنا بالترحيب وسام الشراكة الكاملة من السيدة كلينتون، إذا بالسيد أبومازن يعلن فى نفس اليوم عدم ترشحه للرئاسة الفلسطنية المقبلة احتجاجا على الانحياز الأمريكى لإسرائيل والإهانات المتلاحقة التى وجهت إليه دون أى مقابل.
أبومازن راهن بالكامل على واشنطن لكنه لم يستطع أن يحصل منها على شىء، وأدرك أن استجابة الإدارة الأمريكية للضغوط والصلف الإسرائيليين، لا تجد أى مقاومة فى البيت الأبيض، لا يختلف فى ذلك أوباما كثيرا عن سلفه جورج بوش. ومن الواضح أن مصر تقف فى نفس المربع، وإن اختلفت درجة الرهان. لذا أستغرب أن تخلو التصريحات المصرية من أى عتاب للسيدة كلينتون وأن تشترك فى تجميل موقفها القبيح، الأمر الذى جعل تعبير القاهرة المجامل متخلفا بصورة نسبية عن الموقف الذى أعلنه أبومازن فى رام الله. لقد أصبحنا نستأسد فقط على أهلنا وأشقائنا، أما أعداؤنا فإننا معهم نتحول فجأة إلى حملان وديعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أ/ فهمي هويدي | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























