رئيس بيرو يعتذر للفقراء ورئيس السنعال يخفض راتبه تضامنا مع الفقراء

صحيح ناس عندها دم .. وناس معندهاش دم

ممدوح أحمد فؤاد حسين

 

الجمعة,تشرين الأول 19, 2007


معروف عن المصريين أنهم أبناء نكتة، ولأنها صناعة مصرية، فقد كانوا يقومون بتصديرها إلي المنطقة العربية دون أن تمر علي الدوائر الجمركية، حتي اشتهرت النكتة المصرية وأصبحت محبوبة عند إخواننا العرب، وفجأة ينقلب الحال وتصبح هذه الدول هي التي تصدر لنا النكتة، بعد أن تقاعس المصريون عن هذه الصناعة بسبب الاكتئاب النفسي الذي أصابهم،

وللأسف أصبحت معظم النكت التي يصدرونها إلينا نكتاً سخيفة، ليس فيها نكهة أو مذاق.. أو خفة دم.. بعض هذه النكت، والتي تأتينا من الخارج للأسف تتناول رموز النظام عندنا.. علي طريقة «مافيش حد أحسن من حد».. فقد كنا نتناول ملوكهم ورؤساءهم في النكت بطريقة مؤدبة جداً..

ولذلك كان بعض الملوك والرؤساء يرسلون إلي مصر ممثلين لهم لتجميع النكت المصرية، وبعضهم كانوا يحبون الجلسات الخاصة التي يروي فيها أصدقاؤهم آخر ما سمعوه ونقلوه من نكت.. لدرجة أن بعضهم كان يعشقها.. فالرئيس السلال ـ رحمه الله ـ كانت متعته هي الاستمتاع بنكت المرحوم الفنان إسماعيل يس حتي صارت بينهما صداقة، وأصبح الرئيس السلال يحرص علي استضافته أيام حكمه وبعد حكمه، حتي بعد تحديد إقامته عندما كان مقيما في القاهرة،

وكان بعض الملوك والرؤساء يستضيفون بعض الفنانين المعروف عنهم خفة الدم في الشارع المصري، فقد كان أبو لمعة والخواجة بيجو هما نجمي النكتة في مصر، وللأسف اختفي الزمن الجميل واختفت النكتة المصرية واحتلت مكانها النكتة السياسية، التي لم تر النور في عصر عبدالناصر، فقد كان لدي عبدالناصر جهاز لتحليل النكتة في الشارع المصري، وبعد وفاة عبدالناصر، وفي ظل المناخ الديمقراطي الجديد الذي تبناه السادات انتشرت النكتة السياسية من جديد، ولم يعد أحد يحاسب أحداً علي نوعية النكتة، حتي ولو تناولت رئيس الجمهورية.

ولكاتبنا الكبير الأستاذ أنيس منصور مفهوم عن النكتة السياسية، فهو يقول إنها مثل الطلق الناري ضد مجهول، فهي تعبر عن رأي الأقلية تجاه الأكثرية.

وقد كان كاتبنا الكبير معروفاً في الوسط الصحفي بتأليف النكتة، وكان يشاركه فيها المرحوم عبدالحميد رضوان، وزير الثقافة الأسبق، وقد كانت النكتة السياسية لا تخرج إلا من تحت أيديهما.

وقد سألنا كاتبنا الكبير الأستاذ أنيس منصور باعتباره كان صديقاً شخصياً للرئيس السادات عن النكتة التي أطلقها عن السادات ولم يغضب منها، فقال: لقد سألني السادات مرة عن آخر نكتة، فأردت أن أسأله هو عن رأيه في نكتة، قفزت إلي ذهني أثناء جلوسي، وكانت النكتة تقول «يا جيهان هاتي العصايا والزبيبة» فضحك السادات من قلبه وكان سعيداً.

وقال لي كاتبنا الكبير: إن السادات رحمه الله كان أول رئيس دولة يرحب بالنكتة السياسية، وكان كلما قابله أحد، كان يسأله عن آخر نكتة، ولم يحدث مرة أن ثار أو تضرر من النكت التي كانت تتناوله، لقد كان رحمه الله ابن بلد، يتمتع بالمرح وسعة الصدر.

ومن حسن حظ المصريين أن يكون الرئيس مبارك بنفس مرح السادات وسعة صدره، فالرئيس مبارك لم يصدر فرماناً أو قراراً بتحريم النكتة، بل يشجع المصريين علي الإبداع والابتكار، حتي ولو ظهرت براعتهم في النكتة، ولم نسمع أن مبارك أمر باعتقال مواطن أطلق نكتة عليه، فالناس فعلاً في عصر مبارك تتحدث في كل شيء حتي ولو تناولوه في نكتة سياسية من باب الدعابة، وليس من باب الإساءة أو التشهير ومع ذلك تراهم يعيشون أحراراً.

لكن ماذا نقول للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فقد كانت سبباً في كسر نفسية المصريين وإصابتهم بالاكتئاب، من هنا اختفت النكتة ولم يعد الناس ينكتون كما كانوا يفعلون، وأصبحنا نستقبل النكت التي تأتينا من دول الخليج وأحياناً نقوم بتطويرها لتصبح مهضومة في الشارع المصري.

صحيح أننا مازلنا نعيش علي رصيدنا السابق في نكت زمان، وقد أجاد بعض الناس رواية النكتة الواحدة بأكثر من أسلوب، وكل مرة نضحك من قلوبنا، لكن السؤال: إلي متي نظل بهذا الرصيد دون إضافة أي جديد، رغم أن المصريين أساتذة النكتة.

زميلي الكاتب الصحفي الدكتور سامي هاشم، والذي يمتعنا كل أسبوع بخفة دمه في الصفحة الأخيرة في ملحق «النهارده أجازة» الذي يصدر مع «أخبار اليوم»، يتمتع بموهبة خاصة في سرد النكتة، فهو طباخ جيد للنكتة، يستطيع أن يحول النكتة السخيفة إلي نكتة خفيفة الدم فيضيف إليها «البهارات» علي طريقته، وكثيراً ما نري جمعاً من الأصدقاء حوله، لدرجة أنه فكر في يوم عن الإعلان عن تأسيس حزب جديد سماه «حزب الهيافة» واشترط أن يتمتع أعضاء هذا الحزب بالهيافة،

وأن يقوم بتزكية العضو الذي يرغب الانضمام للحزب اثنان أهيف من العضو نفسه، بشرط عدم الكلام في السياسة أو العكننة، لأن شعار هذا الحزب هو أن «تضحك من قلبك» لأن الضحك في رأيه أقوي من أقراص الفياجرا، فهو الذي يعيد الشيخ إلي صباه، المهم نضحك من قلوبنا ونغسل عقولنا من هموم الدنيا، إذا أردنا الحياة، بلا عكننة من حكومة نظيف التي كسرت نفوس المصريين.