نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى قبيلة بني المصطلق ليجمع منهم الزكاة وأموال الصدقات، فلما أبصروه قادمًا، أقبلوا نحوه لاستقباله؛ فظن الوليد أنهم أقبلوا نحوه ليقتلوه، وأنهم ارتدوا عن الإسلام. ورجع إلى المدينة دون أن يتبين حقيقة الأمر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد -رضي الله عنه- ومعه جيش من المسلمين، وأمرهم بالتأني، وألا يتسرعوا في قتال بني المصطلق حتى يتبينوا حقيقة الأمر، فأرسل خالد إليهم بعض الرجال، ليعرف أحوالهم قبل أن يهاجمهم؛ فعاد الرجال، وهم يؤكدون أن بني المصطلق لا يزالون متمسكين بالإسلام وتعاليمه، وقد سمعوهم يؤذنون للصلاة ويقيمونها، فعاد خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون قتال، ليخبره أن بني المصطلق ما يزالون على إسلامهم.
ونزل قول الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6].
*بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى أقوام رفضوا دعوة الإسلام، فحاربهم أسامة ومن معه حتى هزمهم، وفرَّ رجل منهم؛ فتبعه أسامة ورجل من الأنصار؛ ولـمَّـا اقتربا من هذا الرجل الفارِّ، وأوشكا على قتله. قال الرجل: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري وتركه، أمَّا أسامة فظن أنَّه قال: لا إله إلا الله خوفًا من القتل، فطعنه برمحه، فقتله.
ولما قدموا المدينة بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث، فقال: (يا أسامة، أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟!). فأجاب أسامة: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا (أي: قالها لينجو بها من القتل)؛ فكرر الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (أقتلتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟).
قال أسامة: فما زال يكررها، حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم. [مسلم].
*وقع سُهَيْل بن عمرو أسيرًا في أيدي المسلمين يوم بدر، وكان خطيبًا مفوَّهًا بليغًا، فأراد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن يقتلع أسنانه الأمامية حتى لا يخطُب في الكفار، ويحرِّض المشركين على القتال، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: دعني أنزع ثنيتي سهيل؛ فلا يقوم علينا خطيبًا؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (دعها؛ فلعلها أن تَسُرَّك يومًا).
وفي فتح مكة أسلم سهيل، وحسن إسلامه، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم أراد بعض أهل مكة أن يرتدوا عن الإسلام، فقام سهيل -رضي الله عنه- يخطب فيهم، ويذكرهم بالله، ويحثهم على الثبات، والتمسك بالدين، فسمعوا له وأطاعوا.
*ما هو التأني؟
التأني هو التَّثَبُّت والتمهُّل وعدم التعجُّل. والمسلم يحرص على التأني والتمهل في أموره كلها، فهو لا يهمل في عمله، وإنما يؤدي ما عليه بتأنٍّ وإخلاص وإتقان، وقد قال الإمام علي -رضي الله عنه-: لا تطلب س
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
يُحكى أن قائدًا هُزِمَ في إحدى المعارك، فسيطر اليأس عليه، وذهب عنه الأمل، فترك جنوده وذهب إلى مكان خال في الصحراء، وجلس إلى جوار صخرة كبيرة.
وبينما هو على تلك الحال، رأى نملة صغيرة تَجُرُّ حبة قمح، وتحاول أن تصعد بها إلى منزلها في أعلى الصخرة، ولما سارت بالحبة سقطت منها، فعادت النملة إلى حمل الحبة مرة أخري. وفي كل مرة، كانت تقع الحبة فتعود النملة لتلتقطها، وتحاول أن تصعد بها…وهكذا.
فأخذ القائد يراقب النملة باهتمام شديد، ويتابع محاولاتها في حمل الحبة مرات ومرات، حتى نجحت أخيرًا في الصعود بالحبة إلى مسكنها، فتعجب القائد المهزوم من هذا المنظر الغريب، ثم نهض القائد من مكانه وقد ملأه الأمل والعزيمة فجمع رجاله، وأعاد إليهم روح التفاؤل والإقدام، وأخذ يجهزهم لخوض معركة جديدة.. وبالفعل انتصر القائد على أعدائه، وكان سلاحه الأول هو الأمل وعدم اليأس، الذي استمده وتعلمه من تلك النملة الصغيرة.
*حكى الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته قصة رجل قتل تسعة وتسعين نَفْسًا، وأراد أن يتوب إلى الله -تعالى- فسأل أحد العباد الزهاد: هل تجوز لي التوبة؟ فأجابه ذلك العابد: لا. فاغتاظ الرجل وقتله وأكمل به المائة، وبعد أن قتله زادت حيرته وندمه، فسأل عالـمًا صالحًا: هل لي من توبة؟
فقال له: نعم تجوز لك التوبة،ولكن عليك أن تترك القرية التي تقيم فيها لسوء أهلها وتذهب إلى قرية أخرى أهلها صالحون؛ لكي تعبد الله معهم.
فخرج الرجل مهاجرًا من قريته إلى القرية الصالحة، عسى الله أن يتقبل توبته، لكنه مات في الطريق، ولم يصل إلى القرية الصالحة. فنزلت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، واختلفوا فيما بينهم أيهم يأخذه، فأوحى الله إليهم أن يقيسوا المسافة التي مات عندها الرجل، فإن كان قريبًا إلى القرية الصالحة كتب في سجلات ملائكة الرحمة، وإلا فهو من نصيب ملائكة العذاب.
ثم أوحى الله -سبحانه- إلى الأرض التي بينه وبين القرية الصالحة أن تَقَارَبِي، وإلى الأخرى أن تَبَاعَدِي، فكان الرجل من نصيب ملائكة الرحمة، وقبل الله توبته؛ لأنه هاجر راجيًا رحمته سبحانه، وطامعًا في مغفرته ورحمته.
[القصة مأخوذة من حديث متفق عليه].
*ما هو الأمل؟
الأمل هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات؛ بحيث ينتظر المرء الفرج واليسر لما أصابه، والأمل يدفع الإنسان إلى إنجاز ما فشل فـيه من قبل، ولا يمل حتى ينجح في تحقيقه.
الأمل عند الأنبياء:
الأمل والرجاء خلق من أخلاق الأنبياء، وهو الذي جعلهم يواصلون دعوة أقوامهم إلى الله دون يأس أو ضيق، برغم ما كانوا يلاقونه من إعراض ونفور وأذي؛ أملا في هدايتهم في مقتبل الأيام.
الأمل عند الرسول صلى الله عليه وسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية قومه، ولم ييأس يومًا من تحقيق ذلك وكان دائمًا يدعو ربه أن يهديهم، ويشرح صدورهم للإسلام.
وقد جاءه جبريل -عليه السلام- بعد رحلة الطائف الشاقة، وقال له: لقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبيْن (اسم جبلين)، فقال صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) [متفق عليه].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واثقًا في نصر الله له، وبدا ذلك واضحًا في رده على أبي بكر الصديق، أثناء وجودهما في الغار ومطاردة المشركين لهما، فقال له بكل ثقة وإيمان: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40].
أمل نوح -عليه السلام-: ظل نبي الله نوح -عليه السلام- يدعو قومه إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عامًا، دون أن يمل أو يضجر أو يسأم، بل كان يدعوهم بالليل والنهار.. في السر والعلن.. فُرَادَى وجماعات.. لم يترك طريقًا من طرق الدعوة إلا سلكه معهم أملا في إيمانهم بالله: {قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا . ثم إني دعوتهم جهارًا . ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا} [نوح: 5-9].
فأوحى الله -تعالى- إليـه أنه لن يؤمن معه أحد إلا من اتبعه، فصنع السفينة، وأنجاه الله هو والمؤمنين.
أمل يعقوب -عليه السلام-: ابتلى الله -سبحانه- نبيه يعقوب -عليه السلام- بفقد ولديْه: يوسف وبنيامين، فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى فقد بصره، لكن يعقوب -عليه السلام- ظل صابرًا بقضاء الله، ولم ييأس من رجوع ولديه، وا
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده يقَبِّلُ حفيده
الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، فتعجب الرجل، وقال: والله يا رسول الله إن لي عشرة من الأبناء ما قبَّلتُ أحدًا منهم أبدًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لا يرْحم لا يرْحم) [متفق عليه].
*يحكي لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصة رجل غفر الله له؛ لأنه سقى كلبًا عطشان، فيقول صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّهُ (حذاءه) بالماء، ثم أمسكه بفيه (بفمه)، فسقى الكلب، فشَكَرَ اللهُ له، فَغَفَر له).
فقال الصحابة: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟
قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر (يقصد أن في سقي كل كائن حي ثوابًا) [البخاري].
*ما هي الرحمة؟
الرحمة هي الرقة والعطف والمغفرة. والمسلم رحيم القلب، يغيث الملهوف، ويصنع المعروف، ويعاون المحتاجين، ويعطف على الفقراء والمحرومين، ويمسح دموع اليتامى؛ فيحسن إليهم، ويدخل السرور عليهم.
ويقول الشاعر:
ارحم بُنَي جمـيــع الخـلـق كُلَّـهُـمُ
وانْظُرْ إليهــم بعين اللُّطْفِ والشَّفَقَةْ
وَقِّــرْ كبيـرَهم وارحم صغيـرهــم
ثم ارْعَ في كل خَلْق حقَّ مَنْ خَلَـقَـهْ
رحمة الله:
يقول الله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54]. ويقول الله تعالى: {فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 64].
ونحن دائمًا نردد في أول أعمالنا: (بسم الله الرحمن الرحيم). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي) [متفق عليه].
فرحمة الله -سبحانه- واسعة، ولا يعلم مداها إلا هو، فهو القائل: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} [الأعراف: 156]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق؛ حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) [متفق عليه].
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم:
الرحمة والشفقة من أبرز أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه الله في القرآن الكريم بذلك، فقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128]. وقال تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين} [الأنبياء: 107].
وقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159].
*وتحكي السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له قط ولا امرأة) [أ
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
يحكى أن شيخًا كبيرًا جمع أولاده، وأعطاهم حزمة من الحطب، وطلب منهم أن يكسروها، فحاول كل واحد منهم كسر الحزمة لكنهم لم يستطيعوا، فأخذ الأب الحزمة وفكها إلى أعواد كثـيـرة، وأعطى كل واحد من أبنائه عودًا، وطلب منه أن يكسره، فكسره بسهـولة.
*أمر الله إبراهيم -عليه السلام- أن يرفع جدران الكعبة، ويجدد بناءها، فقام إبراهيم -عليه السلام- على الفور لينفذ أمر الله، وطلب من ابنه إسماعيل -عليه السلام- أن يعاونه في بناء الكعبة، فأطاع إسماعيل أباه، وتعاونا معًا حتى تم البناء، قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127].
*أرسل الله موسى -عليه السلام- إلى فرعون؛ يدعوه إلى عبادة الله وحده، فطلب موسى -عليه السلام- من الله -سبحانه- أن يرسل معه أخاه هارون؛ ليعاونه ويقف بجانبه في دعوته، فقال: {واجعل لي وزيرًا من أهلي . هارون أخي . اشدد به أزري . وأشركه في أمري} [طه: 29-32]. فاستجاب الله تعالى لطلب موسى، وأيده بأخيه هارون، فتعاونا في الدعوة إلى الله؛ حتى مكنهم الله من النصر على فرعون وجنوده.
*أعطى الله -سبحانه- ذا القرنين مُلكًا عظيمًا؛ فكان يطوف الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها، وقد مكَّن الله له في الأرض، وأعطاه القوة والسلطان، فكان يحكم بالعدل، ويطبق أوامر الله.
وكان في الأرض قوم مفسدون هم يأجوج ومأجوج، يهاجمون جيرانهم، فينهبون أموالهم، ويظلمونهم ظلمًا شديدًا؛ فاستغاث هؤلاء الضعفاء المظلومون بذي القرنين، وطلبوا منه أن يعينهم على إقامة سـد عظيم، يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج، {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا} [الكهف: 94].
فطلب منهم ذو القرنين أن يتحدوا جميعًا، وأن يكونوا يدًا واحدة؛ لأن بناء السد يحتاج إلى مجهود عظيم، فعليهم أن يُنَقِّبُوا ويبحثوا في الصحراء والجبال، حتى يحضروا حديدًا كثيرًا لإقامة السد، قال تعالى: {قال ما مكني فيه خيرًا فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا} [الكهف: 95]. وتعاون الناس جميعًا حتى جمعوا قدرًا عظيمًا من الحديد بلغ ارتفاعه طول الجبال، وصهروا هذا الحديد، وجعلوه سدَّا عظيمًا يحميهم من هؤلاء المفسدين.
*كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة هو بناء المسجد، فتعاون الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى هيئوا المكان، وأحضروا الحجارة والنخيل التي تم بها بناء المسجد، فكانوا يدًا واحدة حتى تم لهم البناء.
وكان الصحابة يدًا واحدة في حروبهم مع الكفار، ففي غزوة الأحزاب اجتمع عليهم الكفار من كل مكان، وأحاطوا بالمدينة، فأشار سلمان الفارسي -رض
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
يروى أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ويطلب منه مالا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما في بيتك شيء؟). فقال الرجل: بلى، حلس (كساء) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتني بهما)، فجاء بهما الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يشتري هذين؟). فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يزيد على درهم؟)-مرتين أو ثلاثًا-.
فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الدرهمين، فأعطاهما الرجل الفقير، وقال له: (اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا (فأسًا) فأتني به).
فاشتري الرجل قدومًا وجاء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوضع له الرسول صلى الله عليه وسلم يدًا وقال له: (اذهب فاحتطب وبع ولا أَرَينَّك (لا أشاهدنَّك) خمسة عشر يومًا).
فذهب الرجل يجمع الحطب ويبيعه، ثم رجع بعد أن كسب عشرة دراهم، واشترى ثوبًا وطعامًا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكْتَةً (علامة) في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدْقِع (شديد)، أو لذي غُرْم مفظع (كبير)، أو لذي دم موجع (عليه دية)) [أبو داود].
*ما هو العمل؟
للعمل معانٍ كثيرة واسعة، فهو يطلق على ما يشمل عمل الدنيا والآخرة.
عمل الآخرة: ويشمل طاعة الله وعبادته والتقرب إليه، والله -تعالى- يقول: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران: 195].
وسُئِل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهاد في سبيل الله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) [البخاري].
عمل الدنيا: ويطلق على كل سعي دنيوي مشروع، ويشمل ذلك العمل اليدوي وأعمال الحرف والصناعة والزراعة والصيد والتجارة والرعي وغير ذلك من الأعمال. وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أفضل؟ فقال: (عمل الرجل بيده) [الحاكم].
أمرنا الله -تعالى- بالعمل، والجـد في شئون الحياة، في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال سبحانه: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10]. وقـال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15]. وقـال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105].
وعلى كل مسلم أن يؤدي ما عليه من عملٍ بجد وإتقان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بإحسان العمل وإتقانه، كذلك فإن الطالب عليه أن يجتهد في مذاكرته؛ لأنها عمله المكلف به؛ فيجب عليه أن يؤديه على خير وجه، حتى يحصل على النجاح والتفوق.
والمسلم لا يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها) [أحمد].
وقد نهى الإسلام عن أن يجلس الرجل بدون عمل، ثم يمد يده للناس يسألهم المال، وقد وصف الله -تعالى- فقراء المؤمنين بالعفة، فهم مهما اشتد فقرهم لا يسألون الناس ولا يلحُّون في طلب المال، يقول تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا} [البقرة: 273].
والذي يطلب المال من الناس مع قدرته على العمل ظالم لنفسه؛ لأنه يُعرِّضها لذل السؤال، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من المسألة، وبالغ في النهي عنها والتنفير منها، فقال صلى الله عليه وسلم: (اليد العُلْيَا خير من اليد السُّفْلَى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعِفَّه الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله) [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخـذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) [البخاري].
ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. فعلى المسلم أن يعمل ويجتهد حتى تتحقق قيمته في الحياة، يقول الشاعر:
بِقَدْرِ الْكَـدِّ تُكْتَسَـبُ المعَـالِـي
ومَنْ طلب العُلا سَهرَ اللَّـيالِــي
ومن طلب العُـلا من غير كَــدٍّ
أَضَاع العُمْـرَ في طلب الْمُحَــالِ
العمل خلق الأنبياء:
عمل نبي الله نوح -عليه السلام- نجارًا، وقد أمره الله بصنع السفينة ليركب فيها هو ومن آمن معه. واشتغل يعقوب -عليه السلام- برعي الغنم. وعمل يوسف -عليه السلام- وزيرًا على خزائن مصر.
ويروى أن نبي الله إدريس -عليه السلام- كان خياطًا، فكان يعمل بالخياطة،
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
طلب أحد الصالحين من خادم له أن يحضر له الماء ليتوضأ، فجاء الخادم بماء، وكان الماء ساخنًا جدًّا، فوقع من يد الخادم على الرجل، فقال له الرجل وهو غاضب: أحرقْتَني، وأراد أن يعاقبه، فقال الخادم: يا مُعَلِّم الخير ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله -تعالى-. قال الرجل الصالح: وماذا قال تعالى؟!
قال الخادم: لقد قال تعالى: {والكاظمين الغيظ}.
قال الرجل: كظمتُ غيظي.
قال الخادم: {والعافين عن الناس}.
قال الرجل: عفوتُ عنك.
قال الخادم: {والله يحب المحسنين}. قال الرجل: أنت حُرٌّ لوجه الله.
*حكى لنا القرآن الكريم مثالا رائعًا في قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- مع إخوته، بعد أن حسدوه لمحبة أبيه له، فألقوه في البئر ليتخلصوا منه، وتمرُّ الأيام ويهب الله ليوسف -عليه السلام- الملك والحكم، ويصبح له القوة والسلطان بعد أن صار وزيرًا لملك مصر.
وجاء إليه أخوته ودخلوا عليه يطلبون منه الحبوب والطعام لقومهم، ولم يعرفوه في بداية الأمر، ولكن يوسف عرفهم ولم يكشف لهم عن نفسه، وترددوا عليه أكثر من مرة، وفي النهاية عرَّفهم يوسف بنفسه، فتذكروا ما كان منهم نحوه، فخافوا أن يبطش بهم، وينتقم منهم؛ لما صنعوا به وهو صغير، لكنه قابلهم بالعفو الحسن والصفح الجميل، وقال لهم: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}.
*كان النبي صلى الله عليه وسلم نائمًا في ظل شجرة، فإذا برجل من الكفار يهجم عليه، وهو ماسك بسيفه ويوقظه، ويقول: يا محمد، من يمنعك مني. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ثبات وهدوء: (الله).
فاضطرب الرجل وارتجف، وسقط السيف من يده، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم السيف، وقال للرجل: (ومن يمنعك مني؟).
فقال الرجل: كن خير آخذ. فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه. [متفق عليه].
*وضعت امرأة يهودية السم في شاة مشوية، وجاءت بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقدمتها له هو وأصحابه على سبيل الهدية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد الهدية، لكن الله -سبحانه- عصم نبيه وحماه، فأخبره بالحقيقة.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحضار هذه اليهودية، وسألها: (لم فعلتِ ذلك؟
فقالت: أردتُ قتلك. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الله ليسلطكِ علي).
وأراد الصحابة أن يقتلوها، وقالوا: أفلا نقتلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (لا)، وعفا عنها. [متفق عليه].
*ذات يوم، أراد مَعْنُ بن زائــدة أن يقتل مجموعة من الأسـرى كانوا عنده؛ فقال له أحدهم: نحن أسراك، وبنا جوع وعطش، فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل. فقال معن: أطعمـوهم واسقوهم. فلما أكلوا وشربوا، قـال أحدهم: لقد أكلنا وشربنا، فأصبحنا مثل ضيوفك، فماذا تفعل بضيوفك؟!
فقـال لهم: قد عفوتُ عنكم.
*ما هو العفو؟
العفو هو التجاوز عن الذنب والخطأ، وترك العقاب عليه.
عفو الله -عز وجل-:
الله -سبحانه- يعفو عن ذنوب التائبين، ويغفر له
المزيد
نوفمبر 16th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
في إحدى الليالي سمع أهل المدينة صوتًا عاليًا، ألقى الخوف في قلوبهم، فانطلق الناس ناحيته، فقابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق عائدًا، وكان قد سبقهم إلى مصدر هذا الصوت، فقال لهم: (لم تُرَاعوا..لم تراعوا (أي لا تفزعوا)) [متفق عليه].
*يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وزَّع على الناس أثوابًا، وكان الثوب يكفي الرجل حتى ساقيه، ولا يغطِّي سائر رجليه، وأخذ عمر ثوبًا مثل عامة الناس، وصعد المنبر فرآه الناس في ثوب طويل، ولما افتتح خطبته قال: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أحد الحاضرين، وقال: لا سمع ولا طاعة. فسأله عمر: ولماذا؟
فأجاب الرجل: لأنك أعطيتنا تلك الثياب القصيرة، واستأثرت لنفسك بهذا الثوب الطويل، فأمر عمر بن الخطاب ابنه عبد الله أن يرُدَّ على هذا الرجل ويبين له الحقيقة، فقام عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- ليعلن أنه قد تنازل عن ثوبه لأبيه حتى يكمل به جلبابه، فقال الرجل: الآن قل، نسمع ونطع.
*ما هي الشجاعة؟
هي جرأة القلب وقوة النفس عند مواجهة الأمور الصعبة.
شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا اشتدت الحرب يحتمون خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعلونه في المقدمة، وفي هذا يقول علي -رضي الله عنه: كنا إذا اشتدت البأساء (الحرب) احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه.
ويقول البراء -رضي الله عنه-: ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع الذي يحاذَي به.
وفي غزوة حنين حين اضطرب المسلمون، وفرَّ عدد كبير منهم، وقتل وأصيب آخرون، ظل النبي صلى الله عليه وسلم ثابتًا في مكانه لا يتزحزح، يضرب بسيفه يمينًا ويسارًا، مناديا بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وما إن سمع المسلمون هذا النداء حتى عادت إلى قلوبهم الشجاعة، والتفوا مرة أخرى حول الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتلون، حتى تحقق لهم النصر. وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، فتعلم الصحابة الشجاعة منه، وكانوا قادة أَكْفَاء وقدوة في التضحية والفداء.
شجاعة الصحابة:
ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الشجاعة، ومن هؤلاء الصحابة:
عمرو بن الجموح: منعه أبناؤه من الاشتراك في ميدان القتال؛ لأنه لا يستطيع السير على ساقه العرجاء، فقال لهم: والله، إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال فأذن له وذهب إلى ميدان المعركة فقاتل بشجاعة؛ حتى نال الشهادة في سبيل الله.
علي بن أبي طالب: تربى على الشجاعة والإقدام منذ صغره، وضرب لنا وهو صغير مثلا رائعًا في الشجاعة عندما نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة؛ فعرَّض نفسه للموت بسيوف المشركين، ليُسَهِّل مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة سالـمًا.
عبد الله بن رواحة: صحابي جليل جاهد في سبيل الله، واستشهد في معركة مؤتة، وقبل أن ينال الشهادة أخذ يخاطب نفسه ويحثها على القتال، فيقول:
أقسمتُ يا نَـفْسُ لتَنْـزِلِـنَّــهْ
ما لـي أراك تكرهيـن الجنَّــةْ
يا نفـسُ إلا تُقْتَلـِـي تمـوتـي
هـذا حِمامُ الموت قد صَلِيــتِ
وما تمنيـتِ فـقـد أُعْطِيــتِ
إن تفعلي فِعْلَهُمَـا هُـدِيـــتِ
وكان عبد الله يتمنى الشهادة، ويريد أن يلحق بصاحبيه زيد بن حارثة
وجعفر بن أبي طالب -شهداء مؤتة-، وبالفعل خاض المعركة، وأبلى في تلك الغزوة بلاءً حسنًا حتى فاز بالشهادة في سبيل الله، ولحق بصاحبيه في الجنة.
خالد بن الوليد: أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد سيف الله المسلول لشجاعته واستبساله في الحروب، وعند موته كان حزينًا لأنه لم يمت شهيدًا في ميدان القتال، وقال: ما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي حَتْفَ أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
أبو ذر الغفاري: عرف بشجاعته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث كان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يتصدقوا ويخرجوا زكاة أموالهم التي هي حق الفقراء، وكان يقول: بَشِّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.
نساء الصحابة: اتصفت نساء الصحابة -رضي الله عنهن- بالشجاعة والإقدام، فكن يشتركن مع المسلمين في المعارك، ويقمن بإعداد الطعام للمقاتلين، وتجهيز الماء لسقي الجنود، ومداواة الجرحى والمرضى، حتى اشتهر من هؤلاء النساء السيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب، والسيدة أم عطية الأ
المزيد
نوفمبر 15th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
نشأ يوسف -عليه السلام- محاطًا بعطف أبيه يعقوب، فحسده إخوته، وأخذوه وألقوه في بئر عميقة. وجاءت قافلة إلى البئر، فوجدت يوسف، فأخذته وذهبت به إلى مصر، ليبيعوه في سوق العبيد، فاشتراه عزيز مصر (وزيرها الأكبر)؛ لما رأي فيه من كرم الأصل وجمال الوجه ونبل الطبع، وطلب من امرأته أن تكرمه وتحسن إليه. وكبر يوسف، وصار شابًّا قويًّا جميلا، فأُعجبتْ به امرأة العزيز، ووسوس لها الشيطان أن تعصي الله معه، فانتظرت خروج العزيز وقامت بغلق الأبواب جيدًا، واستعدت وهيأت نفسها، ثم دعت يوسف إلى حجرتها، لكن نبي الله يوسف أجابها بكل عفة وطهارة، قائلا: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23]. معاذ الله أن أجيبكِ إلى ما تريدين، وأُنَفِّذ ما تطلبين، وإن كنتِ قد أغلقتِ الأبواب، فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
*ذهب ثلاثة رجال في سفر. وفي الطريق، دخلوا غارًا في جبل يبيتون فيه، فسقطت منه صخرة كبيرة سدَّت باب الغار، ولم يستطع الثلاثة أن يحركوا تلك الصخرة الكبيرة، وأيقنوا بالهلاك، وأخذ كل واحد منهم يدعو ربه أن ينجيهم ويُفَرِّجَ عنهم ما هم فيه.
وكان أحد هؤلاء الثلاثة له ابنة عم يحبها حبَّا شديدًا، وكان يدعوها إلى معصية الله، لكنها كانت ترفض، حتى مرت بها أزمة مالية، فجاءته تطلب منه المال، فقال لها: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك. فتركته المرأة وذهبت إلى مكان آخر تطلب منه مالا، فلم تجد من يعطيها، فاضطرت أن تعود إلى ابن عمها، وعندما اقترب منها، قالت له: اتِّقِ الله، وذكَّرتْه بالعفة والطهارة، وخوفتْه من عقاب الله، فعاد الرجل إلى صوابه ورشده، وأعطاها المال، واستغفر ربه.
ودعا هذا الرجل ربه أن يزيل الصخرة من باب الغار؛ لأن عمله هذا كان خالصًا لوجهه الكريم، فاستجاب الله دعاءه، وتحركت الصخرة، وخرج الثلاثة، ونـجَّاهم الله من الموت في الغار، وكانت العفة من الأخلاق الفاضلة التي أنجت الثلاثة. _[القصة مأخوذة من حديث متفق عليه].
*ما هي العفة؟
العفة هي البعد عن الحرام وسؤال الناس.
أنواع العفة:
للعفة أنواع كثيرة، منها:
عفة الجوارح: المسلم يعف يده ورجله وعينه وأذنه وفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كل مسلم أن يعف نفسه ويحفظ فرجه حتى يتيسر له الزواج، فقال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33].
وحث النبي صلى الله عليه وسلم الشباب على الزواج طلبًا للعفة، وأرشد من لا يتيسر له الزواج أن يستعين بالصوم والعبادة، حتى يغضَّ بصره ويحصن فرجه، فقال الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة (أداء حقوق الزوجية) فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء (وقاية). [متفق عليه].
عفة الجسد: المسلم يستر جسده، ويبتعد عن إظهار عوراته؛ فعلى المسلم أن يستر ما بين سرته إلى ركبتيه، وعلى المسلمة أن تلتزم بالحجاب، لأن شيمتها العفة والوقار، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31]، وقال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 59].
وحرَّم الإسلام النظر إلى المرأة الأجنبية، وأمر الله المسلمين أن يغضوا أبصارهم، فقال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النـور: 30]. وقال تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن ويحفظن فروجهن}
[النور: 31]. وقال سبحانه: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36].
وفي الحديث القدسي: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلتُه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) [الطبراني والحاكم].
وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة (وهي النظرة التي لا يقصدها الإنسان ولا يتعمدها)، فقال الله صلى الله عليه وسلم: (اصرف بصرك) [أبو داود].
العفة عن أموال الغير: المسلم عفيف عن أموال غيره لا يأخذها بغير حق. وقد دخل على الخليفة عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أحدُ وزرائه ليلا يعرض عليه أمور الدولة. ولما انتهى الوزير من ذلك، أخذ يسامر الخليفة ويتحدث معه في بعض الأمور الخاصة، فطلب منه عمر الانتظار، وقام فأطفأ المصباح، وأوقد مصباحً
المزيد
نوفمبر 15th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
يحكى أن ضيفًا نزل يومًا على الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأثناء جلوسهما انطفأ المصباح، فقام الخليفة عمر بنفسه فأصلحه، فقال له الضيف: يا أمير المؤمنين، لِمَ لَمْ تأمرني بذلك، أو دعوت من يصلحه من الخدم، فقال الخليفة له: قمتُ وأنا عمر، ورجعتُ وأنا عمر ما نقص مني شيء، وخير الناس عند الله من كان متواضعًا.
*يحكى أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- كان يحلب الغنم لبعض فتيات المدينة، فلما تولى الخلافة قالت الفتيات: لقد أصبح الآن خليفة، ولن يحلب لنا، لكنه استمر على مساعدته لهن، ولم يتغير بسبب منصبه الجديد. وكان أبو بكر
-رضي الله عنه- يذهب إلى كوخ امرأة عجوز فقيرة، فيكنس لها كوخها، وينظفه، ويعد لها طعامها، ويقضي حاجتها.
وقد خرج -رضي الله عنه- يودع جيش المسلمين الذي سيحارب الروم بقيادة أسامة بن زيد -رضي الله عنه- وكان أسامة راكبًا، والخليفة أبو بكر يمشي، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، لَتَرْكَبَنَّ أو لأنزلنَّ، فقال أبو بكر: والله لا أركبن ولا تنزلن، وما على أن أُغَبِّرَ قدمي ساعة في سبيل الله.
*وقد حمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الدقيق على ظهره، وذهب به إلى بيت امرأة لا تجد طعامًا لأطفالها اليتامى، وأشعل النار،وظل ينفخ حتى نضج الطعام، ولم ينصرف حتى أكل الأطفال وشبعوا.
*ويحكى أن رجلا من بلاد الفرس جاء برسالة من كسرى ملك الفرس إلى الخليفة عمر، وحينما دخل المدينة سأل عن قصر الخليفة، فأخبروه بأنه ليس له قصر فتعجب الرجل من ذلك، وخرج معه أحد المسلمين ليرشده إلى مكانه. وبينما هما يبحثان عنه في ضواحي المدينة، وجدا رجلا نائمًا تحت شجرة، فقال المسلم لرسول كسرى: هذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فازداد تعجب الرجل من خليفة المسلمين الذي خضعت له ملوك الفرس والروم، ثم قال الرجل: حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر.
*جلست قريش تتفاخر يومًا في حضور سلمان الفارسي، وكان أميرًا على المدائن، فأخذ كل رجل منهم يذكر ما عنده من أموال أو حسب أو نسب أو جاه، فقال لهم سلمان: أما أنا فأوَّلي نطفة قذرة، ثم أصير جيفة منتَنة، ثم آتي الميزان، فإن ثَقُل فأنا كريم، وإن خَفَّ فأنا لئيم.
*ما هو التواضع؟
التواضع هو عدم التعالي والتكبر على أحد من الناس، بل على المسلم أن يحترم الجميع مهما كانوا فقراء أو ضعفاء أو أقل منزلة منه. وقد أمرنا الله -تعالى- بالتواضع، فقال: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 215]، أي تواضع للناس جميعًا. وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83].
وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: أن تخضع للحق وتنقاد إليه، ولو سمعته من صبي قبلتَه، ولو سمعتَه من أجهل الناس قبلته. وقد قال أبو بكر -رضي الله عنه-: لا يحْقِرَنَّ أحدٌ أحدًا من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير.
وكما قيل: تاج المرء التواضع.
تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم:
خير الله -سبحانه- نبيه صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبدًا رسولا، أو ملكًا رسولا، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا رسولا؛ تواضعًا
لله -عز وجل-.
والتواضع من أبرز أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، والنماذج التي تدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها:
أن السيدة عائشة -رضي الله عنها- سُئِلَتْ: ما كان النبي يصنع في أهله؟ فقالت: كان في مهنة أهله (يساعدهم)، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. [البخاري].
وكان يحلب الشاة، ويخيط النعل، ويُرَقِّع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويشتري الشيء من السوق بنفسه، ويحمله بيديه، ويبدأ من يقابله بالسلام ويصافحه، ولا يفرق في ذلك بين صغير وكبير أو أسود وأحمر أو حر وعبد، وكان صلى الله عليه وسلم لا يتميز على أصحابه، بل يشاركهم العمل ما قل منه وما كثر.
وعندما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، دخلها صلى الله عليه وسلم خافضًا رأسه تواضعًا لله رب العالمين، حتى إن رأسه صلى الله عليه وسلم كادت أن تمس ظهر ناقته. ثم عفا صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة وسامحهم وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) [سيرة ابن هشام].
أنواع التواضع:
والتواضع يكون مع الله ومع رسوله ومع الخلق أجمعين؛ فالمسلم يتواضع مع الله بأن يتقب
المزيد
نوفمبر 15th, 2007
كتبها ممدوح حسين
نشر في , أخلاق,
,
كانت الحرب تدور بين المسلمين والفرس، فطلب رستم قائد الفرس أن يتشاور في الصلح مع المسلمين؛ فأرسل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قائد المسلمين الصحابي الجليل رِبْعِي بْنَ عامر -رضي الله عنه- ليعرض مطالب المسلمين، وعلى الفور ذهب ربعي بن عامر، ودخل القصر ممتطيا جواده، سائرًا به فوق البساط الفاخر الموضوع على الأرض، وحينما طلب جنود قائد الفرس من ربعي النزول رفض، وقال في عزة: لم آتِكم من تلقاء نفسي، وأنتم الذين دعوتموني، فإن رضيتم بذلك، وإلا رجعتُ. فقبل الفرس وقلوبهم تكاد تتفجر من الغيظ.
وحينما دخل على قائدهم رستم، عرض عليه الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو تكون الحرب بينهما، وقال له في عزة وكرامة: أيها القائد، إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة.
*بعث الخليفة هارون الرشيد إلى الإمام مالك، فلما حضر قال له الخليفة: ينبغي عليك أن تتردد علينا؛ حتى يسمع أبناؤنا (الأمين والمأمون) منك الموطأ (وهو الكتاب الذي جمع فيه الإمام مالك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
فقال الإمام مالك: أعزَّ الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم من بيتكم، فإن أعززتموه عز، وإن أذللتموه ذل، والعلم يؤتَى إليه، ولا يأتي إلى أحد.
فقال له الخليفة: صدقتَ، ثم وجَّه حديثه إلى ولديه قائلا: اذهبا إلى المسجد، حتى تسمعا مع الناس. فقال الإمام مالك: بشرط أن يجلسا حيث ينتهي بهما المجلس، ولا يتقدما على الناس، فقبل الخليفة ذلك.
*ما هي العزة؟
العزة هي الرفعة والبعد عن مواطن الذل والمهانة. فالله يأمرنا أن نكون أعزاء، لا نذل ولا نخضع لأحد من البشر، والخضوع إنما يكون لله وحده، فالمسلم يعتز بدينه وربه، ويطلب العزة في رضا الله -سبحانه-، وقد قيل: من طلب العزة بغير طاعة الله أذله الله.
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: كنا أذلاء، فأعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
قيل: الذلة لرب العباد عزة، والذلة للعباد ذلة.
وقيل: من طلب العزة بغير طاعة الله أذله الله.
وصدق الشاعر حين شبه التذلل للعباد بالموت، فقال:
المزيد