حمار قريتنا (3)

من بين كل حمير العالم , لم أجد أحمر من حمار قريتنا .

فقد غره استكانة وخضوع أهل قريتنا فتصور أنه لا حياة للقرية بدونه .

وذات ليلة نظر الحمار في المرآة فأدرك أن وفاته قد قربت . فأنجب حمارا صغيرا.

المصيبة أنه يريد أن يُدخل حماره الصغير إلى قريتنا !!!

فهل يدخل الحمار الصغير قريتنا !؟

أم لا يُلدغ أهل قريتنا من الحمار مرتين !!؟


كل “إمام” ينضح بما فيه

أكتوبر 7th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني, طنطاوي في خدمة من؟

 
دكتورة/ نهى الزيني (المصريون) : بتاريخ 6 - 10 - 2009
ذاك الذي فاضت ينابيع "سماحته" حتى نهل منها القاصي والداني بدءاً بالإفتاء بأن التعامل الربوي البنكي الذي أجمع كبار العلماء المعتبرون على حرمته إنما هو حلال شرعاً ! مروراً بتسامحه مع وزير الداخلية الفرنسي – ساركوزي وقتها – حين جاءه مشفقاً من غضبة العالم الإسلامي يستشير كبيرهم – الإمام الأكبر بزعمهم - عن إمكانية منع الزي الإسلامي في المدارس الفرنسية فسمح له بأن يضيق على المسلمات كيفما شاء في مأمن من اعتراض الأزهر ورجاله وذلك في لقاء شهير اتسم بما عُرف عن "فضيلته" من تسامح لامثيل له ، وصولاً إلى اعتزامه السفر إلى الفاتيكان ليحظى بشرف المثول في حضرة البابا بعدما استهل رعويته بسب الدين الإسلامي ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إلى تلك الوقفة المستخذية مع العدو الصهيوني حين امتدت يداه الاثنتان تعانقان بكل التسامح والمودة يد السفاح بيريز الملطخة لتوها بدماء إخواننا الفلسطينيين ، وليس آخرها صمته المطبق إزاء المذابح الصهيونية في غزة الصامدة ولا الخرس الذي أصابه فلم نسمع له صوتاً يندد بالعدوان اليهودي على المسجد الأقصى إلا مايسمح له به النظام الذي أتى به ليضعه رغم أنوف خيرة علماء الأزهر فوق واحد من أعلى المنابر في العالم الإسلامي مكافأة له على تسامحه مذ كان مفتياً مع كل مايفعله النظام وقدرته على تبرير كل خطاياه والإشادة بمظالمه بمبالغة فجة تبدو إلى جانبها مواقف بعض العناصر المكونة للنظام وكأنها صادرة عن المعارضة .

ذاك الذي تخرج نبراته المملة الرتيبة المتصنعة المستخذية أمام الجبابرة ، ذاك الذي يأمر بالتسامح مع كل فاسد فاجر سفاح ومع كل فاسدة فاجرة مائلة مميلة ، ذاك الذي لم نعرف له موقفاً واحداً إلى جانب الحق ، ذاك الذي تنفرج أساريره وتنحني قامته أمام كل صاحب سلطان ، ذاك الذي يتسع صدره لذبح المسلمين ولانتهاك الأعراض وللتطاول على دين الله وسب رسوله لم يتسع صدره لصبية غضة تدرس بالصف الثاني الإعدادي بأحد المعاهد الأزهرية شاء حظها العاثر أن يطالعها فضيلته ذات يوم أغبر بوجهه "الصبوح" وأن تنهل من فيض سماحته ورحمته وعلمه واتزانه ماهو كفيل – وربي – بأن يجعلها لاتكره الأزهر فحسب بل تكره الدين الإسلامي الذي يمثله – بحسب معلوماتها البسيطة – هذا الرجل …

كان "سماحة" الإمام الأكبر يرافقه وفد من رجال الأزهر في جولة تفقدية للمعاهد الأزهرية حين صدمه منظر التلميذة الصغيرة ترتدي النقاب داخل الفصل فانفعل عليها وصاح بها غاضباً آمراً أن تخلع النقاب ، ولما امتثلت الصبية لأمر

المزيد


الزلاّقة - نهي الزيني

سبتمبر 20th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 

 

على طول الطريق الموصل من الجزيرة الخضراء حتى أشبيلية محل إقامة ابن تاشفين، تجمهر أهل الأندلس لتحية البطل المغربى وتهللت الوجوه بعد طول اكتئاب واصطحب القرويون أطفالهم لمشاهدة أمير المسلمين الذى سيصبح لزمن طويل قادم رمزا لعزة الإسلام وبطلا لحكايات النصر المجيدة ترويها الأمهات لأطفالهن وهن يحثونهم على الاقتداء به فى النخوة والشجاعة والتجرد لله سبحانه وتعالى، تلك القيم العليا التى ستقتات الأندلس من ثمراتها الطيبة أجيالا متعاقبة وقرونا عديدة تالية ظلت فيها المنارة الهادية لخطى البشرية المتعثرة فى ظلمات الجهل والجاهلية.

أما ابن تاشفين فبقدر مااغتبط لحسن استعداد جيش المرابطين وصلابته بقدر مااغتم لما طالعه فى أشبيلية من مظاهر الخروج على حدود الله ومن ترف جاوز حد المعقول أتبعته رخاوة بادية على شبابها بل وعلى جندها الذين استعرضهم مع المعتمد ليصنع منهم فيلقا يضعه فى مقدمة الجيش، كما أصر ابن عباد رغبة منه فى التكفير عن جريمته الشنعاء فى التخلى عن مناصرة طليطلة قبل سقوطها.

أما ما أثلج صدر أمير المسلمين حقا فكان تلك المبادرات التى قام بها الأندلسيون البسطاء الذين أيقظت حسهم الإيمانى جهود علماء المسلمين طوال السنوات المنصرمة فتباروا فى تقديم كل مايملكون إلى الجيش المرابطى فكانوا يأتون لهم بالماء وبالطعام وبالوقود وبالعلف لخيولهم وجمالهم التى اصطحبوها معهم من المغرب وكانوا يتنافسون فى ذلك تنافسا كشف لابن تاشفين ماتحت رخاوة الظاهر من قوة الإيمان التى تصلح قاعدة جديدة لبناء جديد.

رتب يوسف ابن تاشفين جيش الإنقاذ فقسمه إلى قسمين: الجيش الأندلسى على مقدمته المعتمد حاكم إشبيلية وعلى ميمنته المتوكل حاكم بطليوس بينما أهل الشرق على الميسرة، والجيش المرابطى يقود فرسانه داود ابن عائشة وراجلته سير ابن أبى بكر، بينما انعقدت قيادة الجيش الإسلامى بقسميه والذى بلغ نحو أربعة وعشرين ألف جندى لابن تاشفين، وما إن تمت الاستعدادات حتى بدأ تقدم الجيش نحو الشمال فعبروا بطليوس وعسكروا فى سهل الزلاقة شمال ماردة وبطليوس إلى الجنوب الغربى من طليطلة مقر قوات الاحتلال القشتالى.

على الناحية الأخرى، ما إن وصلت ألفونسو أخبار عبور يوسف بن تاشفين ونزوله بالجزيرة الخضراء حتى طيّر الرسائل إلى حلفائه فى كل مكان وإلى البابا فى روما مستنجدا، فتقاطر عليه المتطوعون من كل صوب يدفعهم بريق ذلك الوعد الذى قطعته الكنيسة بمنح صكوك الغفران لكل من يشارك فى الحرب المقدسة، حتى بلغ عدد الجنود فى الجيش الصليبى أكثر من ستين الف فارس يرتدون دروع الحديد من رءوسهم حتى أقدامهم وقد تقدم صفوفهم رجال الدين الكاثوليكى رافعين الأناجيل والصلبان لإذكاء المشاعر ولإثارة الحماس، ولما اكتمل الاستعداد ورتب ألفونسو جيشه الجرار نظر إلى الصفوف مغتبطا وتمثل أمامه حلم الاستيلاء على الأندلس ومايرتبط بذلك من أمجاد ستدوى ترانيمها مع أجراس الكنائس فى جنبات أوروبا فقال لمن حوله بكبرياء من استذل ملوك الأندلس زمنا طويلا: «بهذا الجيش ألقى محمدا وإلهه والإنس والجن والملائكة».

وفقا للنهج الإسلامى أرسل ابن تاشفين رسالة إلى ألفونسو يخيره فيها بين ثلاثة: الدخول فى الإسلام أو الاستسلام ودفع الجزية أو الحرب، فاختار ال

المزيد


العبور الثاني العظيم - نهي الزيني

سبتمبر 17th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 فى غفلة من ألفونسو السادس ورجاله المطمئنين إلى تشرذم قادة الأندلس وعدم قدرتهم على الاتفاق على موقف موحد، تم إيفاد بعثة رسمية إلى مراكش عاصمة المرابطين تكونت من أبى بكر ابن زيدون وزير المعتمد وثلاثة قضاة هم: عبدالله ابن أدهم قاضى قرطبة ــ رئيسا للبعثة ــ وابن مقانا قاضى بطليوس وابن القليعى قاضى غرناطة وقد حملت معها رسالة طويلة من المعتمد ابن عباد إلى أمير المسلمين وناصرالدين ــ كما خاطب ابن تاشفين فى ديباجتها ــ يستنصره فيها ويدعوه للعبور إلى الأندلس أرض الجهاد لإحياء شريعة الإسلام، ومن الممتع حقا أنك تجد بجانب تلك الرسالة الملكية الموثقة والمؤرخة غرة جمادى الأولى عام 479 هـ 1086م عددا من الرسائل التى حملتها البعثة من علماء الأندلس وقادة الفكر فيها تدعو المرابطين إلى الانضمام إلى مسلمى الأندلس الذين اعتزموا مقاومة القشتاليين وهو ما أثر بشدة فى نفوس المرابطين خاصة بعدما علموا بتفاصيل ما يقاسيه إخوانهم من هزيمة وقهر وترويع على أيدى التحالف الصليبى الهمجى.

استقبل يوسف ابن تاشفين البعثة الأندلسية وأنزلهم فى دار الضيافة بمراكش حتى تتم المفاوضات بين الطرفين، وفى تلك الأثناء وفدت على الأمير عدة وفود من مسلمى الأندلس يستجيرون به من عدوهم فقابلهم بنفسه ووعدهم خيرا، والحقيقة أن ابن تاشفين لم يتردد لحظة فى الإسراع لنجدة إخوانه المسلمين فى الأندلس، وحين وصلته رسالة ابن عباد كان قد مضى على توليه إمارة المرابطين خلفا لابن عمه الأمير أبى بكر ابن عمر أكثر من أربعة عشر عاما توسعت خلالها دولته حتى أصبحت امبراطورية عظمى قوية غنية ومستقرة على نحو ماذكرنا، كما كان الأمير ذاته قد جاوز السبعين من عمره وآن للفارس الذى خاض المعارك أن يستريح، إلا أن أمير المسلمين وناصر الدين ــ حقا لا لقبا أجوف فارغا ــ أضمر فى نفسه أمرا أثناء لقاءاته مع البعثة الرسمية والوفود الشعبية فدعا أعضاء الهيئة الاستشارية للدولة للانعقاد حتى يعرض عليهم الأمر.

ما كان أحد من المرابطين كبيرهم ولا صغيرهم ليحجم عن الاستجابة لداعى الجهاد فى سبيل الله وقد تأسست دولتهم على عقيدة سليمة ركناها التليدان الدعوة والجهاد، لذا فما أن عرض ابن تاشفين الأمر على مستشاريه حتى وافقوا بلا استثناء غير أن أحدهم هو عبدالرحمن ابن أسبط وهو أندلسى الأصل لفت نظر الأمير إلى أمر شديد الأهمية يتعلق بالطبيعة الجغرافية للأندلس كأرض ضيقة عرجة وعرة تعترض طرقاتها الجبال حتى أن من يدخلها يصبح أشبه بالسجين فلا يمكنه الخروج منها إلا تحت حكم صاحبها ونبهه إلى أنه ليس بينه وبين ابن عباد صداقة متصلة فلا يأمن منه بعدما تنقضى حاجته بالظفر من العدو، لذا نصحه ابن أسبط بأن يطلب من المعتمد أن يملكه الجزيرة الخضراء وهى أول أرض فى الأندلس تالية للمضيق حتى يستخدمها لحشد جنوده وأسلحته ويكون عبوره إليها فى الوقت المناسب له، وهنا يجيب أمير المسلمين على مستشاره قائلا بتواضع العظماء: «صدقت يا عبدالرحمن لقد نبهتنى إلى شىء لم يخطر ببالى، اكتب إليه بذلك»، وهكذا يرسل ابن تاشفين لا

المزيد


رعي الإبل أم الخنازير؟- نهي الزيني

سبتمبر 16th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 كانت الأندلس تحتضر بعد سقوط درة المدائن «طليطلة» فى أيدى قوات التحالف الصليبى وقد رجعّت أصداء أنينها جنبات العالم الإسلامى المشتعل بنيران الفتن والمبتلى بالتشرذم وبالتصارع والقابع خليفته هنالك فى بغداد كخيال المآتة لا يحرك ساكنا. ولا يستطيع.

ولقد ترنحت دويلات الطوائف الأندلسية تحت وقع الصدمة، وبدأت تستقبل اللاجئين الفارين من طليطلة بعدما دخلها ألفونسو السادس فأعمل فيهم القتل والتذبيح دون تمييز بين شاب أو طفل أو مسن وهدّم المساجد وأحرق المصاحف، واغتصب جنوده النساء واستولوا على الأراضى والممتلكات، وانهارت الروح المعنوية نحو الحضيض، وهو ما يمكن أن نستشفه بوضوح من مطالعة الأدب الأندلسى خلال تلك المرحلة ومن ذلك قصيدة الشاعر المعروف ابن العسال الطليطلى، التى تنضح بروح اليأس والهزيمة المستشرية، والتى يدعو فيها أهل الأندلس كلهم ــ ليس أهل طليطلة فقط ــ إلى الرحيل منها لأنه لا فائدة تُرجى من مواجهة العدو القوى، الذى استولى على عاصمتهم وفيها يقول:

سطعت الحقائق وانكشف المستور وظهرت الطرق الدبلوماسية، التى اتبعها المعتمد ابن عباد مع القشتاليين فى ضوء تلك الحقائق مجرد أساليب ملتوية للتهرب المخزى من المواجهة الحتمية، التى لابد آتية يوما بعزة أو بذلة، فلما حدث ما حدث بين المعتمد وألفونسو وظهرت نية الأخير فى اجتياح أشبيلية كخطوة منطقية تالية للاستيلاء على طليطلة، وبدأ الحصار انعقدت قمة ملوك الطوائف فى قرطبة بدعوة من ابن عباد لتدارس الموقف كما ذكرنا سابقا، إلا أنه ومع الخطر الماثل أمامهم لم يبد أن التجربة المريرة قد علمتهم شيئا، وسرت بينهم همهمات التخاذل المعتادة، والتى تدور كلها حول ضعفهم وقوة عدوهم وتمكنه، وعبثا حاول أمير بطليوس الشجاع المتوكل على الله ابن الأفطس أن يحرك فيهم شهامة الإسلام وعزته، لكنهم أخلدوا إلى الأرض وانحصرت مداولاتهم فى أمر واحد هو كيف يدارون ألفونسو ويأمنون شره بالوسائل السلمية الحكيمة!

أمر مهم جدير بالتوقف عنده فى تلك اللحظة التاريخية، ذلك أن مؤتمرا جماهيريا انعقد موازيا لقمة قرطبة شحذ فيه علماء الأمة الهمم وأبطلوا الحجج الواهية، وأوضحوا للناس أن الجهاد وحده هو القادر على إخراجهم من هذا الذل والهوان الذى لطخهم به قادتهم، وقد شجعت تلك الصحوة الجماهيرية والصلابة التى أبداها العلماء فى مواجهة تخاذل القادة أمير بطليوس على أن يقترح على ملوك الطوائف الاستنجاد بأمير المسلمين، وهو الأمر الذى أفزعهم خوفا على عروشهم أن يضمها المرابطون إلى دولتهم مترامية الأطراف فتخاذلوا وتراجعوا وأبدوا استعدادهم لتقديم مبادرة سلام لألفونسو عله يتركهم فى حالهم وينصرف نظير مضاعفة الجزية، التى يدفعونها له وتمديد معاهداتهم معه ــ التى لم يحترمها ــ ولو بمزيد من التنازلات، ومن ذلك قول عبدالله ابن سكوت حاكم مالقة: «لا يجتمع السيفان فى غمد واحد».

كان المعتمد ابن عباد حاكم أشبيلية أكبر دويلات الطوائف فى ذلك الحين والمحاصرة من العسكر القشتالى هو الداعى لقمة قرطبة وقد جلس حزينا صامتا منصتا للاقتراحات المقدمة والرد

المزيد


أمير المسلمين - نهي الزيني

سبتمبر 16th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 

 

 كان العالم الإسلامى فى الربع الأخير من القرن الخامس الهجرى الذى تقف أحداثنا على أعتابه الآن قد وصل إلى درجة من الضعف والتشرذم والتقاتل والتناحر حدا لم يبلغه منذ نشأت الدولة الإسلامية الأولى بالقيادة النبوية الشريفة فى المدينة المنورة، وقد ترتب على ذلك أن غدت الدولة مطمعا لأعدائها وهدفا لمؤامراتهم ولغزواتهم المتكررة، وهكذا سقطت مصر تحت حكم الفاطميين الذين أقاموا بها دولة تمدد نفوذها حتى الشام والحجاز ثم تحالفت مع البيزنطيين لضرب الخلافة العباسية فى بغداد وهو ما شجع عددا من الدويلات على الانفصال عن الخلافة فتمزقت منطقة آسيا الصغرى إلى دويلات متصارعة وتشظى الشام فى إمارات مستقلة كدمشق وطرابلس وتوزع اليمن بين ثلاث طوائف متحاربة هذا فضلا عن أحوال الأندلس المنقسمة بين ملوك الطوائف وسقوط عاصمتها طليطلة فى أيدى القشتاليين، فإذا ما تذكرنا أن الأندلس لم تكن حتى ذلك الحين جزءا من الخلافة العباسية وإنما ظلت إمارة ثم خلافة أموية حتى بعد سقوط الدولة الأموية فى دمشق إلى أن تمزقت بين ملوك الطوائف كما رأينا سابقا.. وإذا ما تذكرنا كيف كانت أحوال المغرب حتى سنوات قليلة مضت قبل قيام حركة ابن ياسين للإحياء الإسلامى فى الصحراء.. إذا ما تذكرنا ذلك كله لأصبح واضحا أمامنا ما كانت تعانيه الخلافة العباسية وقتئذ من ضعف وهوان ومن قلة حيلة إلى الحد الذى دفع الخليفة القائم بأمر الله إلى الاستنجاد بطغرل بك السلجوقى لإنقاذه من المتآمرين ولإعادة توحيد بعض الأجزاء المتشرذمة من دولة الخلافة.

فى تلك الأجواء التى صارت فيها الخلافة العباسية الضعيفة فى بغداد أقرب للرمز المعنوى منها للحقيقة الواقعة بدا اقتراح رجال الدولة المرابطية على القائد المنتصر وموحد دول الشمال والغرب الأفريقى يوسف ابن تاشفين بأن يتسمى باللقب الخلافى «أمير المؤمنين» اقتراحا أقرب إلى المنطق، غير أن الأمير المسلم الذى أسس نظام حكمه على عقيدة ثابتة راسخة كان مدركا تماما لمعنى الولاء فى الإسلام وأنه أصل من أصول العقيدة وسبب من أهم أسباب النصر الذى لا يتحقق إلا بوحدة المسلمين تحت راية واحدة، هذا الولاء الذى تعلمه من كتاب الله سبحانه ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا الاتحاد الذى جعله الله تعالى سببا للنصر وجعل ضياعه فقدانا للطريق (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) هو الذى أنطق ابن تاشفين بقولة حق لا ينطقها أبدا من كان مبتغاه دنيا أو سلطة أو زعامة: «حاشا أن أسمى بهذا الاسم إنما يتسمى به خلفاء بنى العباس وأنا رجلهم والقائم بدعوتهم»، وهكذا فوض ابن تاشفين ــ رغم قوته وتمكنه ــ الأمر إلى خليفة المسلمين ــ رغم ضعفه وتهافته ــ وأرسل له سفارة إلى بغداد ومعها هدية رمزا للطاعة وطلبا للولاية الشرعية فعادت السفارة بهدية من الخليفة وبخلع أميرى وبكتاب تقليد يوسف ابن تاشفين ولاية المغرب وما فتحه من بلاد أفريقيا، ومع توالى الأحداث والبطولات والفتوحات حصل ابن تاشفين بإجماع العلماء على لقب سلطانى ــ وليس خلافيا ــ اشتهر به فى التاريخ الإسلامى ولم يُطلق على أحد سواه وهو لقب «أمير المسلمين وناصر الدين» ال

المزيد


مر سريعا - نهي الزيني

سبتمبر 16th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 

 

 بدأ التفكير فى بناء عاصمة جديدة للدولة المرابطية بدلا من أغمات التى ضاقت بسكانها من قبل أن يتنازل أبوبكر ابن عمر عن الإمارة ويرتحل إلى الصحراء، ومن ثم اتجه البحث عن مكان مناسب لها ثم تأجل المشروع حتى اقترحت زينب النفزاوية على زوجها الأمير يوسف ابن تاشفين أن يشيد المدينة الجديدة على أرض مجدبة تقع بين هيلانة وهزميرة وهو الاقتراح الذى تعجب له الجميع..

ذلك أن تلك المنطقة الخلاء المنخفضة والواقعة فى سفح جبل درن كانت معروفة بأنها أرض خربة فلم يكن بها زرع ولا ماء إلا من الحنظل وبعض الأشواك النابتة ولا يسكنها بشر لذا مثلت طويلا هاجسا أمنيا للقبائل المضطرة للعبور من خلالها فكانوا إذا دنوا منها يتعجلون السير ليقطعوها سريعا خوفا من مخاطرها وهم يتنادون «موروكاش.. موروكاش» أى مروا سريعا باللغة الأمازيغية، لكن الست زينب التى عاشت حياتها فى منطقة السوس الأقصى وخبرت من أسرارها ما لا يدركه مرابطو صنهاجة الصحراء وتميزت ــ إلى جانب جمالها الفائق ــ بالحكمة وبالذكاء وبالخبرة التى اكتسبتها من زواجها باثنين من أمراء برغواطة ثم باثنين من أمراء المرابطين حتى لُقبت بـ«زوجة الملوك»، تلك السيدة التى أعزها الله بالإسلام كانت تعلم أن هذا الموقع الخرب المخيف يحوى فى باطنه خيرا كثيرا فقربه من وادى تنسيفت على مسيرة ثلاثة أيام رجح لديها وجود ماء جوفى وفير يمكن استخدامه للزراعة بعد حفر الآبار، كما أن نقل العاصمة إلى هناك سوف يؤدى إلى سيطرة المرابطين على جبل درن بما له من موقع استراتيجى يضيف إلى قوتهم الحربية، وهكذا بدأ الأمير يوسف يتلمس خطاه بناء على نصيحة الست زينب ثم كان بناء موروكاش أو «مراكش» درة المدن وعاصمة المرابطين التى سيرتبط بها اسم المغرب الأقصى على طول الزمان فتظل تعرف حتى يومنا هذا باسم «البلاد المراكشية».. وهكذا الإسلام ينشر الحضارة أينما سارت قافلته فكما صنع من فاندالسيا «بلاد الهمج» أندلسا يكفى نطقها لتتداعى إلى خيالك كل مفردات الحضارة من علم وتقدم ومدنية ورقى وفن وجمال، كذلك أحال أرض الخراب «مر سريعا» مراكشا تتلألأ حروفها نورا وبهجة لؤلؤة المغرب وعاصمته لقرن من الزمان وأهم مدنه حتى بعدما انتقلت العاصمة منذ عصر دولة الموحدين إلى «الرباط» ظلت مراكش العاصمة السياحية حتى اليوم، وما الرباط؟

أليست تلك المدينة التى بدأت بحصن بناة المرابطون وأطلقوا عليه ذلك الاسم الكريم تيمنا برباط ابن ياسين؟ أليست هى القافلة ذاتها.. قافلة التوحيد تمضى فى طريقها لتنشر فى ربوع الأرض أمنا وبركة وسلاما ورخاء؟

كان يوسف ابن تاشفين حين تزوج زينب النفزاوية قد قارب الستين من عمره دون أن يرزق بولد ولقد كانت الست زينب مسعودة بحق كما أخبره زوجها السابق ابن عمه أبوبكر ابن عمر فقد أنجبت له أول أبنائه وولى عهده المعز بالله ثم لما شيد عاصمته مراكش بناء على نصيحتها أخبرته بفراستها أنه سيملك المغرب كله وبذلت الجهد فى تجميع الجنود البرغواطيين والمال اللازم للإمداد العسكرى وكانت خير مرشد له ومعين، خاصة أن طبيعته كرجل أمازيغى حر لم تمنعه من وضعها حيث يجب أن تكون الزوجة شريكة الحياة، فالمجتمع البربرى ظل طوال تاريخه يضع المرأة فى مكانة عالية ولقد ذكرنا سابقا أن

المزيد


تجارة رابحة - نهي الزيني

سبتمبر 13th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 واحد من أسباب النزاع الناشب بين قبائل جنوب الصحراء بينما جيش المرابطين ينطلق نحو الشمال ناشرا نور الإسلام الحق فى أرجاء المغرب كان التنافس بينها على أولوية ومكاسب التجارة مع أقاليم السودان وهو تنافس عرفته القبائل البربرية منذ قديم الزمان مع تشابك العلاقات التجارية بينها وبين تلك الأقاليم كما ذكرنا سابقا، فلما مكث الأمير أبوبكر ابن عمر شهورا فى الإصلاح بين الناس وفى إرساء قواعد الوحدة الإسلامية تاقت نفسه وهو هناك فى الجنوب بالقرب من موقع رباط ابن ياسين إلى نوع آخر من التجارة الرابحة دونما أى احتمالات للخسارة فعقد العزم على أن يتنازل عن إمارة المرابطين ويترك أغمات ثم يعود إلى حيث منطلق هذه التجارة الرابحة، لذا غادر الأمير الصحراء لفترة مؤقتة ريثما يرتب أحوال الدولة الوليدة ثم يعود فتوجه مسرعا صوب أغمات وصدى تراتيل قدسية يتردد فى جوانحه فيصرفه عن كل ما فى الحياة سوى هذه البهجة النورانية التى غمرت كيانه بإشراقاتها (ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم)، حين وصلت قافلته إلى أغمات كانت روحه قد بلغت من الشفافية ما يكاد المستقبل يتكشف أمامها فيظهر واضحا جليا، لذا كان أول لقاء له مع زوجته زينب…

كانت زينب بنت اسحاق النفزاوية أو الست زينب كما يطلقون عليها تنتظر عودة زوجها الأمير من رحلته فى الصحراء فإذ به يفاجئها بأنه عقد العزم على التنازل عن منصب الإمارة والرحيل من بلاد السوس إلى الصحراء ليجعلها منطلقة إلى بلاد السودان الواقعة أسفل مصب نهر السنغال للدعوة والجهاد بين قبائلها التى مازالت حتى ذلك الوقت على وثنيتها القديمة لم تصلها الدعوة الإسلامية بعد، وأنه لذلك يريد أن يطلقّها… وهنا يروى قدامى المؤرخين كابن عذارى وابن أبى زرع أنه قال لها: «يا زينب إنك ذات حسن وجمال فائق وإنى سائر إلى الصحراء برسم الجهاد لعلى أرزق بالشهادة وأنت امرأة لطيفة لا طاقة لك على بلاد الصحراء وإنى مطلقك فإن أتممت عدتك فتزوجى ابن عمى يوسف بن تاشفين فهو خليفتى على بلاد المغرب»..

ثم جاءت الخطوة التالية وهى استدعاء يوسف ابن تاشفين فى حضور كبار رجال الدولة المرابطية ليشهدهم أنه قد خلع نفسه من الإمارة وتنازل عنها لابن عمه قائد الجيوش الذى عرفه الناس بالتقوى والورع وسداد الرأى والعدل والشجاعة، ثم قال له فيما يذكر المؤرخون: «يا يوسف إنى قد وليتك هذا الأمر وإنى مسئول عنه فاتق الله فى المسلمين واعتقنى واعتق نفسك من النار ولا تضيع من أمر رعيتك شيئا فإنك مسئول عنهم، والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل فى رعيتك وهو خليفتى عليك وعليهم»، ثم خرج مغادرا إلى الصحراء وسار معه يوسف مشيعا فأخبره أنه طلق زينب ونصحه بالزواج منها قائلا له: «تزوجها فإنها امرأة مسعودة»! فلنؤجل إذا الحديث عن تلك السعادة التى بشر بها ابن عمه إن هو تزوج مطلقته زينب ولنرتحل قليلا مع الأمير الو

المزيد


دولة المرابطين

سبتمبر 12th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 لقى عبدالله ابن ياسين ربه فى شهر جمادى الأولى عام 451هـ الموافق يونيو 1059م بعدما أصابه جرح قاتل فى أثناء جهاده الطائفة البرغواطية المرتدة فأدمى الحزن قلوب المجاهدين بينما عم الفرح صفوف البرغواطيين وظنوا أن النصر سيكون حليفهم بعدما تتشتت جهود المرابطين بمقتل زعيمهم، إلا أن هؤلاء وقد اجتمعوا على اختيار أبى بكر ابن عمر اللمتونى خلفا للإمام الراحل فقد التفوا حوله دون تلكؤ فتمكن خلال فترة قصيرة من إعادة تعبئة الجيش المجاهد ووضع ابن عمه المقاتل الشجاع يوسف ابن تاشفين على ميمنة الجيش ــ فى أول ظهور له على مسرح الأحداث ــ ثم أعاد الكرة عاقدا العزم على استئصال شأفة هذه الطائفة الكفرية التى استولت على بلاد السوس الأقصى ونشرت الفساد فى ربوع المغرب طوال ثلاثة قرون كاملة.

وفى خلال عام واحد تمكنت الفئة القليلة المؤمنة الصابرة من المرابطين ــ ألفا مقاتل ــ من هزيمة الفئة الكثيرة المرتدة ــ اثنا عشر ألف مقاتل ــ ومن القضاء تماما على الدولة البرغواطية وفتح عاصمتها «أغمات» فى سفح جبل المصامدة بالسوس الأقصى واتخاذها قاعدة للجيش المرابطى ينطلق منها لتحرير بلاد المغرب وتوحيدها والقضاء على حكم الطوائف بها ما بين مرتدة ومبتدعة ومتصارعة على الحكم ولو أدى ذلك إلى تمزيق البلاد، وبعد مقتل أمير أغمات لقوط بن يوسف أعلن البرغواطيون عودتهم إلى دين الإسلام الحق وولاءهم للمجاهدين وكذا فعلت زينب النفزاوية زوجة لقوط وأجمل نساء عصرها فتزوجها الأمير أبوبكر ابن عمر وكان لها دور كبير فى دولة المرابطين كما سنرى.

كان الإمام عبدالله ابن ياسين ومن معه من المرابطين الأولين قد بدأوا فى إرساء القواعد التأسيسية لدولتهم بمجرد انتهاء مرحلة الاستضعاف ونشوء سلطة سياسية فى الرباط، تلك الدولة الوليدة القائمة على أحكام الإسلام كما تضمنها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم الاجتهاد وفقا لمذهب أهل السنة والجماعة من المالكية وهو ما يمكن أن نطلق عليه بلغة العصر «الدستور» الذى توافق الناس على الخضوع له، ثم كان لهذه الدولة الناشئة جهاز إدارى مناسب لتلك المرحلة المبكرة وبيت مال وجيش مسلح ومدرب له خطط مدروسة، وقد تطورت النظم الإدارية لدولة المرابطين بالتوازى مع خطوات توسعها خارج الصحراء بدءا من فتح درعة وسجلماسة ثم أودغست الزناتية وتامسنا وأغمات وسائر بلاد السوس الأقصى، وفى تلك المرحلة أصبحت أغمات عاصمة الدولة المرابطية وأبوبكر ابن عمر اللمتونى أميرها ويوسف بن تاشفين قائد جيوشها التى توسعت بانخراط البربر الزناتية فى صفوفها بعد أن كانت مقصورة على بربر الصحراء مما أدى إلى تطور حضارى ملموس ينتجه امتزاج الثقافات الإنسانية ثم انصهارها فى بوتقة واحدة يحكمها نظام قانونى يتميز بالعدالة وبالمرونة وبالقدرة على استيعاب العناصر المكونة لهذا الكيان المتماسك وتنظيم حركتها، وأى نظام أقدر من ذلك الذى فرضه صانع الكون سبحانه لكى يحكم حركة صنعته؟

وفى عام 453هـ يتوفى المعز ابن باديس أعظم ملوك القيروان فتتهاوى بوفاته دولة بنى زيرى الصنهاجية فى الشمال الأفريقى الذى يتمزق إلى دويلات تحكمها أسر بربرية أنهكتها الحروب التى أشعلتها الدولة

المزيد


المرابطون

سبتمبر 11th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

 

 تتحدد ملامح الفقيه المجتهد المجدد وفقا لعدة عوامل منها مواهب ذاتية ومعطيات شخصية ومنها إخلاص فى توحيد الله وطاعته وعبادته ومنها علم شرعى واسع ومتعمق ومنها أيضا ـ وهو أمر شديد الأهمية ـ معرفة بالواقع ومعايشة له بل ومعاناة معه أيضا لكيلا يصبح الفقيه مجرد دار كتب متنقلة يحمل فى رأسه فكرا نظريا جامدا متحجرا لا صلة له بالحياة، ولقد أوتى الفقيه العالم العامل عبدالله ابن ياسين من كل عناصر الاجتهاد رزقا وفيرا ومثلت تجربته الدعوية الأولى بكل معاناتها وإحباطاتها زادا لتعمقه فى فقه الواقع وفقه المرحلة وفقه الحركة الدعوية، ذلك أنه كان صادقا مع ربه ومع نفسه فى تقييم التجربة وفى الاعتراف بالخطأ دون أن يكون لحظ نفسه نصيب فما كانت بغيته سوى الله.. والله وحده.. لذلك رزقه الله من السداد والتوفيق ما يرزق عباده الصادقين…

وقد تجلت عبقرية ابن ياسين كفقيه مجتهد فى إدراكه لحقيقة مؤداها أنه على الرغم من خروج قبائل الصحراء منذ ما يقرب من قرن من الزمان عن الإسلام بالكلية وعودتها إلى جاهليتها وأن أفرادها لذلك يعدون من المشركين من ذرية من ارتدوا عن دين الله الحق، فإن الحكم عليهم بذلك بما يستتبعه من أحكام فقهية لا يجوز أن يُلقى على عواهنه لأن هناك فارقا جوهريا بين حال مشركى قريش عند البعثة النبوية وحال مشركى صنهاجة اليوم الذين تبقى معهم بعض إسلام ـ ولو كان مجرد الانتماء له من الناحية الإسمية ـ رغم جاهليتهم، كما أن هناك فارقا مهما بين الحكم على فرد أو على مجموعة من الأفراد بالردة وفقا لضوابط شرعية محددة وما يستتبعه ذلك من أحكام وبين أن ينسلخ شعب أو شعوب بأكملها عن الإسلام حتى تنقض عراه وتخرج منه وهى تظن نفسها داخله، فالحكم الشرعى يختلف وأسلوب الدعوة يختلف بالتالى، لذلك أسس ابن ياسين نظام مرابطته على المزج بين فقه المرحلة المكية للدعوة ـ دار الأرقم ـ وفقه المرحلة المدنية المتكيف مع الواقع ـ الرباط ـ فجاء هذا النظام واضحا رائقا فذا مستندا إلى الواقع ومتفاعلا معه متميزا باتزان العلماء العظماء ووقوفهم بين إفراط الفكر الخارجى الذى أرق تاريخنا بضوضاء الفتن وتفريط الفكر الإرجائى الذى أسلمه للموات…

صنع ابن ياسين من رباطه على مصب نهر السنغال قاعدة للانطلاق الدعوى بدأت بالرجال الخمسة الأوائل الذين قضوا معه فترة طويلة فى تلقى العلم ومراجعة التطبيق ثم انطلقوا واحدا إثر الآخر عائدين إلى لمتونة وإلى جدالة وجزولة وغيرها من القبائل الصنهاجية ليقوموا بمهمة الدعوة داخلها بشكل سرى هادئ وبدون مواجهة مع السلطات القائمة على نسق أقرب لنسق المرحلة الدعوية الأولى فى مكة لاستقطاب مؤمنين جدد وضمهم إلى جماعة الرباط، وهنا نرى ابن ياسين ـ مستفيدا من تجربة أرتننى ـ يرفض الترخص فى قبول المرشحين للالتحاق برباطه واضعا شروطا شديدة الصرامة لذلك استنبطها باجتهاده الذى حقق به مزجا ينشد الكمال فى نوعية عناصر قاعدة البناء الأولى التى أرادها صلبة شديدة الصلابة كى لا تنكسر أمام المحن ولكى تصلح لإقامة البناء عليها فيما بعد، فقرر مبدأ لم نعلم له مثيلا وهو «مبدأ التوبة والتطهر» يقضى بأن يقوم الوافد الجديد ـ بعد

المزيد


جهاد واستشهاد

سبتمبر 11th, 2009 كتبها ممدوح حسين نشر في , أ/ نهي الزيني

 

أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم.. ذاك أيضا فى هندسة التاريخ.. فهكذا يتحقق لابن ياسين فى أربعة أعوام فقط من الدعوة وفق منهج ربانى قويم مرتكز على فقه المرحلة ما لم يتحقق له خلال خمسة عشر عاما من التخبط غير المدروس ومن الاحتفاء بالكثرة العددية دون نظر لجودة النوعية أو للتناسب بين صلابة التكوين ومشقة الطريق.

هكذا تأتى ــ على عجل ودون استعجال ــ نقطة التحول من استضعاف إلى تمكين ومن انتقاء لعناصر صلبة متفردة إلى ترخص فى القبول محسوب ومن مرابطة وكف للأيدى إلى دعوة جماهيرية وجهاد عندما تنشأ بانضمام أمير لمتونة سلطة سياسية موازية للسلطات السياسية الجاهلية القائمة فى الصحراء فتصبح المواجهة بين نظامين سياسيين، كما حدث بعدما نشأ فى المدينة المنورة نظام سياسى بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهت بذلك مرحلة (كفوا أيديكم)، وبدأت مرحلة (قاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله).. ويخايلنى هنا معنى مرتبط بهذا الإسم الكريم «يحيى»، الذى كان أول من تسمى به على وجه الأرض نبى كريم ابن نبى كريم سماه ربه ولم يسمه والداه «يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا»، ترى ألهذا التكريم يبزغ من بين ظلمات الصحراء رجلان يحملان الإسم ذاته يقبض كل منهما على زمام المبادرة، التى تدفع بقافلة التوحيد فى طريقها لنشر نور الرب تبارك اسمه ولتحيل ذلك الجدب القاحل إلى جنة وارفة؟ ترى ألهذا التكريم كان توفيق الرب سبحانه للأمير الحاج يحيى ابن ابراهيم الجدالى كى يصطحب ابن ياسين لنشر الدعوة الإسلامية فى الصحراء، وتوفيقه للأمير المجاهد يحيى ابن عمر اللمتونى كى يصبح بانضمامه وقبيلته إلى المرابطين قوة تمكين لدين الله على تلك المساحة الشاسعة من أرض الله؟

ما إن قدّر ابن ياسين أن المرابطين لن يُغلبوا من قلة بعد أن بلغ عددهم ألفا أكثرهم من ذلك الفرز الأول الصلب، الذى انتخبه الإمام ورباه على عينه حتى اجتمع بهم فخطب فيهم ودعاهم إلى الخروج لدعوة قبائل الصحراء إلى العودة إلى دين الله الحق ورغبّهم فى الجهاد فى سبيل الله وذكرّهم بالجنة وبمراتب الشهداء فقالوا له: «أيها الشيخ المبارك، مرنا بما شئت تجدنا سامعين مطيعين ولو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا»، هنا أيقن ابن ياسين أن الغرس الربانى قد آتى ثماره فقال لهم: «اخرجوا أنذروا قومكم فإن تابوا فخلوا عنهم وإن أبوا جاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»..

وهكذا بدأ خروج المرابطين فرادى وجماعات من مصب نهر السنغال عام 447هـ الموافق 1055م متوجهين بدعوتهم إلى قبائل الصحراء، وبدأت خطوات عودة الإسلام من بعد غربته الثانية بالوعظ والإنذار فمن الناس من استجاب ومنهم من أعرض فمن استجاب التحق بجماعة المرابطين كفرز ثان جاء أوان قبوله فى البناء، ثم خرج ابن ياسين بنفسه فعقد مؤتمرا عاما لرؤساء القبائل دعاهم فيه إلى العودة إلى الإسلام وتطبيق شرائعه كما أمرهم الله تعالى ثم أمهلهم سبعة أيام فلما لم يجد منهم سوى الإعراض والتلكؤ ومحاولات الالتفاف والتملص بدأ يغزو بجيشه القبائل ليسقط السلطات السياسية القابضة على أزمّة

المزيد


التالي



مأثورات عربية حديثة:


كل ابن آدم خطأ إلا السيد الزعيم


كل الأعمال شريفة إلا صناعة الكراسي


لكل داء دواء إلا الحماقة والاستبداد


كل المعارضة في السجن إلا المستأنسة


المعارضة رجس من عمل الشيطان فاجتنبوها


المواطن الصالح يسمع ويرى ولا يتكلم



ارفع رأسك يا أخي لتسهل عمل السياف