لوب المسلمين في كافة أنحاء العالم تتجه إلى الكعبة المشرفة حيث يتوافد حجاج بيت الله الحرام إلى البقعة المباركة في مشهد يضفى على الروح بهجة وسعادة لا مثيل لها وفيما يلي خطبة جمعة حول الحج للشيخ السديس:
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ وأوصيكم ـ حجاج بيت الله ـ بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى خير الزاد، وبها صلاح البلاد والعباد في المعاش والمعاد، وهي الطريق المبلغ لرضا رب العباد.
أيّها المسلمون، ها قَد دارَ فلكُ الزَّمان دورتَه، وحلَّت بالأمة الإسلامية مناسبةٌ عظيمة، وأظلَّتها مواسم بالخيرات عميمة، تبدّى لنا هلالُ شهرِ ذي الحجَّة الحرام، ليسكبَ في قلوبنا نورًا من أنوارِه، وليُتلِعَ أرواحَنا[1] بفيضٍ مِن حِكَمه وأسراره. أيامٌ قلائِل وأمّتنا الإسلاميّة قابَ قوسين أو أدنَى من أداءِ فريضةِ الحجِّ إلى بيتِ الله الحرام الركنِ الخامسِ من أركان الإسلام، فنسأل الله تعالى أن ييسِّر على حجّاج بيته الحرام، ويعينهم على أداء مناسكهم، إنه جواد كريم.
أيّها الحجّاج الميامين، قدِمتُم خيرَ مقدَم، أهلا حللتم، وسهلا وطئتم، طِبتم وطاب ممشاكم، وحقّق الباري سؤلَكم ومُناكم. تشرف بكم بلادُ الحرمين حرسها الله، فخِدمتُكم تاجُ فَخار يتلألأ على صدورِ أهلِها، ووِسامُ شرفٍ يتألَّق في عِقدِ جيدِ أبنائها. وإنّ الشوقَ إلى هذا البيتِ العتيق والانعطافَ إلى هذه العرَصاتِ المقدَّسة والنّزوعَ إلى هذه المشاهدِ المُنيفةِ والبِقاع الشّريفةِ إذا عايَنها المحِبّ المُعنَّى تبدّدَت لدَيه كلُّ المشاقِّ واللأواء.
فحيّـهلا إن كنت ذا همـة حدا بك حادي الشوق فاطوِ المراحلا
وقل لِمنادي حبِّهم ورضاهمُ إذا ما دعـا لبيـك ألفًـا كوامـلا
ولقد خالَطكم ذلك النّفحُ الإيمانيّ وزايَلتموه، كيفَ والمسجدُ الحرام نصبَ الأعينِ قرَّة ومِلءَ القلوب إجلالاً ومسَرّة؟! فحقًّا على كلِّ قاصدٍ له شُكر الباري على ما أسداه وحمدُه على ما خصَّه به وأولاه، ومِن شُكر نعمة الله أداءُ هذه الفريضة وإتمامُها كما شرعَ الله، وكما قال جلّ في علاه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196].
حجّاجَ بيتِ الله، ها أنتم أولاءِ في رحابِ الحرمين الشّريفين، تعيشون أجواء مفعمةً بالرَّوحانية في أجلّ مناسبة إسلامية عالميّة، فلِلّه درُّكم من إخوةٍ متوادّين متراحمين، وأحبّةٍ علَى رِضوان الله متآلفِين متعاونين، وصَفوةٍ لنسائِم الإيمانِ متعرِّضين، ذَوَت في جليلِ مقصدِكم زينةُ الأثواب وعزّةُ الأنساب وزخارفُ الألقاب والأحساب، يقول تباركت أسماؤه وعمّت نعماؤه: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27، 28]. وتأمّلوا ـ يا رَعاكم الله ـ الأسلوبَ التنكيريّ في سياق الامتِنان، وهي صيغة من صيغ العموم لتعمّ منافع الدِّين والدّنيا والآخرة.
معاشر المسلمين، وفي هذه الموَاكبِ المَهيبةِ والحشودِ المباركةِ الحبيبةِ التي اتّحَدَت زمانًا ومكانًا شَعائرَ ومشاعرَ يعقِد الإسلامُ وفي أحكَمِ ما يكون العَقد بإحدَى منافعِ الحَجِّ الجُلَّى مَناطَ الوحدةِ الجماعيّة والروحيّة الصّلبة التي تنحَسِر دونَها كلُّ المِحَن والمآسي التي ارتكَسَت فيها أمّتنا، يقولُ جل وعلا: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52].
ولئِن تبصَّر المسلِمون أحوالَهم في هذا المنعطَف الخطيرِ مِن تأريخ أمتهم لأيقَنوا بأنّ ما لحِقهم مِن ذلٍّ ومهانة وما مسَّهم من لُغوب وضنَى واستكانة فِي كثيرٍ مِن المجتمعاتِ إنّما يعود إلى تمزُّقِ عُراهم وتفرُّق وقواهم. وما شعيرةُ الحجّ ـ أيها الحجّاج الأماجد ـ في مجمَعِها العتِيد وجوهرِها ومظهرِها الفريد إلاّ دعوةٌ للمسلمين إلى وجوب الوحدةِ والاتّحاد وثنيٌ لهم عمّا مُنوا به في هذه الحِقبةِ المعاصِرة من تقاطُعٍ وضعفٍ وتدابر. لقد آن الأوانُ أن تجعَلَ أمّة الإسلامِ مِن هذا الموسِم الوحدَويّ فرصةً لاجتماعِها ومناسبةً لاتّحادِها بعدَما فرّقَتها الفتنُ والأهواءُ وشتّتتها المِحَن واللأواء، والله عزّ وجلّ يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، ويقول سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].
إخوةَ الإيمان، ضيوفَ الرّحمن، وكُبرَى القضَايَا التي ارتكز عليها ركنُ الحجّ الركين وقامت عليها جميع الطاعاتِ والعباداتِ هي تجريدُ التّوحيد الذي هو حَقّ الله على العبيدِ وإفرادُه سبحانه بالعبادةِ دونَ سواه ونبذُ الشّرك وما ضاهاه.
فلواحدٍ كن واحدًا في واحدِ أعني طريقَ الحقِّ والإيمان
فصلاح العقيدة سبب لكلّ صلاح، وأعظم مقاصد الحج توحيد الله في العقيدة والمنهج وال
المزيد