أعمده
بقلم: جلال أمين
3 اكتوبر 2009 09:42:31 ص بتوقيت القاهرة
السيد فاروق حسنى وزير الثقافة المصرى. لم يتصرف فى موضوع لرئاسة اليونسكو، التصرف اللائق بوزير فى دولة لها بعض المبادئ التى تلتزم بها، وتستوحى مواقفها من مشاعر شعبها، فلا تقابل أعداءها مثل ما تعامل أصدقاءها، ولا تنفق أموال شعبها بلا ضابط أو شعور بالمسئولية.
بالعكس من ذلك، كانت تصرفات وزير الثقافة فى هذا الموضوع، كما لو كانت الوزارة والدولة كلها عزبته الخاصة أو عزبة والده. فجاءت قصة الترشيح والانتخاب محزنة للغاية، من أولها إلى آخرها.
عبر فاروق حسنى لرئيس الجمهورية عن رغبته فى الترشيح لرئاسة اليونسكو، وطلب منه المساعدة فوافق الرئيس ووعد بمساعدته.
هكذا سمعنا عن هذا الأمر لأول مرة. لم نسمع أن الدولة المصرية فكرت فى ترشيح مصرى لهذا المنصب الرفيع، فاستعرضت بعض الأسماء من كبار المثقفين المصريين من ذوى السمعة الدولية الطيبة، ومن أصحاب المواقف المعروفة فى خدمة الثقافة العربية، وفى معارضة الخطط الصهيونية والأمريكية التى تهدد الهوية العربية أو التراث العربى والإسلامى، وتحاول تغيير مناهج التعليم فى البلاد العربية على نحو يهدد هذه الهوية وهذا التراث.
سمعنا فقط عن رغبة فاروق حسنى فى تقلد الوظيفة وعن استجابة الرئيس لرغبته. الأمر إذن شبيه بتصرف صاحب عزبة فى عزبته أو عزبة والده. الطفل المدلل لديه رغبة مثلا فى الزواج من فتاة جميلة من أسرة ثرية ولها خطاب كثيرون، فلابد من دعمه ومساعدته، ولابد من تجنيد أهل العزبة كلهم لتحقيق غرضه، وإيرادات العزبة كلها توضع تحت تصرفه مادامت تخدم هذا الغرض.
ظل أهل العزبة، بمن فيهم الفلاحون المساكين، ما يقرب من عام بأكمله، لا يسمعون إلا عن رغبة الابن المدلل فى الزواج.
الابن يتقدم للترشيح، الابن يسافر، الابن يعود. الرئيس المصرى يكلم الرئيس الأمريكى فى الموضوع، الرئيس المصرى يطلب من العدو الإسرائيلى ألا يخلق مشكلات للابن المدلل، العدو الإسرائيلى ينتهز الفرصة فيطلب مقابلا لذلك من الرئيس المصرى وإن كنا لا نعرف ما الذى طلبه بالضبط. وزير الخارجية المصرى يترك أعماله ليقوم بالاتصالات الواجبة للحصول على الدعم للابن المدلل. الرئيس المصرى ووزير خارجيته يستخدمان ثقل دولتهما لإقناع الدول العربية الأخرى بعدم ترشيح منافس للمرشح المصرى. كبار موظفى وزارة الثقافة يتركون أعمالهم للتفرغ لحملة الوزير. الحربية التى تصدرها الوزارة، نتابع أخبار الحملة يوما بيوم، ونتحدث عن أمجاد الوزير وإنجازاته. المثقفون المصريون يطلب منهم الكتابة فى الصحف تأييدا له.. إلخ.
ولأن الوزير يعرف أهمية الدور الصهيونى فى الدعاية فى الغرب، وفى التأثير على صنع القرار فيها، لم يدخر الوزير جهدا لكسب إسرائيل والصهيونية إلى صفه، بصرف النظر عما إذا كان هذا هو أيضا رأى شعبه. فالوزير يسافر إلى ندوات ولقاءات فى أوروبا يعبر خلالها بطرق مختلفة عن حبه لليهود وأسفه على ما حدث لهم منذ سبعين عاما فى ألمانيا، وعن حبه للسلام بصفة عامة، وتقديره «للآخر»، أيا كان هذا الآخر، ويدلى بتصريح لجريدة الديلى تليجراف البريطانية بأنه إذا كان بمنصب مدير اليونسكو لن يمانع فى زيارة إسرائيل أو التعامل معها. وباعتباره رئيسا المسئول عن المشروع القوى للترجمة يوغر إليه بترجمة كتب لمؤلفين إسرائيلين، وكما يعد باستكمال مشروعات ترميم الآثار اليهودية، ويعطى الجائزة التقديرية لشخص لا يحظى بتقدير المثقفين المصريين ولكن يحظى برضا الإسرائيليين.
وتخطر بباله أيضا فكرة جهنمية، وهى دعوة مايسترو إسرائيل لقيادة فرقة موسيقية فى دار الأوبرا المصرية. كانت هذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا، مما كان لابد أن يدخل السرور الفائق فى نفوس الإسرائيليين وأن يصيب بالغم كل من يسمع بالأمر من المصريين. ولكن لا شىء يقف فى وجه الابن المدلل، إذ إن كل شىء ممكن، بل ويجند الوزير عددا من المثقفين ال
المزيد