د. يوسف زيدان يكتب : أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف (٧/٧) .. التوتُّر والتأجُّج فى وَطَنِ التشنُّج
٢٨/ ١٠/ ٢٠٠٩
تعقيباً على المقالات الستة السابقة، تدفَّق سيلٌ من المقالات والتعليقات المنشورة بالجرائد المصرية والمواقع الإلكترونية. وقد جاء الأغلبُ قادحاً، صادحاً، فادحاً فى دلالته على أننا نحن المصريين، قد تغيَّرنا كثيراً فى العقود الماضية، فلم نعد هذه الجماعة التى ظلت لمئات السنين أنموذجاً للطاعة والوداعة، وللخضوع والخنوع، وللرخاوة والهوان! وإنما صرنا حسبما وصفَنا صلاح عبدالصبور فى (الناس فى بلادى) : جارحون كالصقور.. وحسبما وصفَنا سيد حجاب فى قصيدته العامية التى غنَّاها لنا «على الحجار» فقال فيها إن المصرى فى المظاهرات «يسخن ويشيط» وفى الانتخابات «ينسى التصويت».
وقد نعود فى سلسلة قادمة من هذه السُّباعيات المتوالية، للكلام فى «التحولات المصرية والتحوُّرات المصيرية» التى تقلَّبت فيها صورتنا عبر التاريخ. لكننا الآن بصدد مناقشة تلك «الانفعالات» وردود الأفعال الكثيرة، على ما طرحته فى مقالاتى من رؤى ووجهات نظر، وهى لحسن الحظ، انفعالاتٌ جاءت من المسلمين والمسيحيين (معاً) وكان فيها الكثير مما يجب الوقوف عنده بمزيدٍ من الإيضاح.
فمن ذلك، ما ذكره بعض «الإخوان المصريين» من أن حديث (الجهاد الأكبر) الذى ذكرته فى المقالة السادسة، هو حديثٌ نبوىٌّ غير صحيح، ولم يرد عند البخارى أو مسلم.. والحق فى ذلك معهم، لكن الإمامين «البخارى ومسلم» لم يجمعا كُلَّ الصِّحَاحِ من الأحاديث. علاوة على أن القاعدة الحديثية الشهيرة تقول إن من الحديث الشريف، ما هو صحيح فى معناه (الدراية) مع ضعف سنده (الرواية)..
وقد أوردت الحديث لتبيان الفارق بين «جهادين» يتعين على المسلم بعامة القيام بهما، والأكبر منهما جهاده لنفسه للارتقاء بها. فلا خلاف إذن فى هذا الأمر! ومن ناحية أخرى، فلا خلاف هذه المرة (عموماً) مع رجال الكنيسة، لأن الذىن تولوا الرد على مقالاتى الأخيرة، كلهم من المثقفين المصريين الذين ليسوا فى مناصب كنسية، وليسوا متأسلمين؛ ولذلك جاءت مناقشاتهم أجدى. لولا بعض التعليقات المتشنِّجة، وغير اللائقة التى كتبها «متأقبطون» فى مواقع الإنترنت. لكنه على أىِّ حالٍ أمرٌ هينٌ، ولم يغضبنى لأننى كنت أتوقعه، ولأننى أحبهم حقاً، ولأننى مدركٌ أنهم يتوهمون عدائى للمسيحية (وهو أمر يعلم الله أنه غير صحيح) ولأنهم ينطقون بلسان «التأقبط» الذى ترعرع فى مدارس الأحد، وشجر فى النفوس مع عَنَتِ المتأسلمين (لا المسلمين) مع المسيحيين فى السنوات الأخيرة، التى ازدهر فيها «التشنج» فى بلادنا، وظهر فى مناسباتٍ عدةٍ، لا مجال الآن لذكرها.
وبخصوص الأخوة الأفاضل، الذين تولوا الرد على المقالات بمقالات، خاصةً فى صحف ومواقع: الأقباط متحدون، الأقباط الأحرار، المصرى اليوم، اليوم السابع.. وغيرها، وبالأخص، تلك المقالات التى كتبها الأساتذة: لطيف شاكر (خمسة مقالات) وكمال غبريال، ورمزى زقلمة، وياسر يوسف غبريال.. وشخصٌ لطيفٌ، خفيف الظل، اسمه محمد البديوى! ولابد هنا من الإشارة إلى أن سيل الردود والمقالات الغاضبة لم يخلُ من «خفة الدم» التى صار المصريون مشهورين بها.
فمن ذلك ما نراه فى مقالة الأستاذ حنا حنا المحامى فى (موقع الأقباط متحدون) حين يقول: «البادى أن د. زيدان استهوته جائزة «البوكر» التى ربحها برواية عزازيل، ففكر أن يربح بمقالات (المصرى اليوم) جائزة الكونكان».. حلوة! أو يقول (بالعامية) د. ياسر يوسف غبريال: «زيدان يدَّعى البطولة وهو عارف اللى جوه الفولة وأفكاره مش معقولة.. يُطلق بُمبة فكرية، هى أن القبطية صناعة عربية إسلامية».
وقد كتب المسمَّى (أبو اسكندر) يردُّ علىَّ، فجعل كلامه بعنوان : الدور العدمان لشيخ الدراويش يوسف زيدان! وكتب المسمَّى (غالى): ما تزعلش، كلنا مجهزين شنطنا لشيراتون المرج، بس ياريت يوسعوه حتى يسع ملايين الأقباط.. وعندما حمل المسمَّى (محمد البديوى) على مقالاتى حملةً شنعاء، متشنِّجة، كتب أحدهم معلِّقاً عليه بقوله : يا واد محمد يابديوى، أقصد يا جورج، بطَّل حركات!
■ ■ ■
حسناً.. وبعيداً عن الطرائف اللطيفة السابقة، وبعد هذه الحوارات المصرية (جداً) أقول (جَادّاً) إن أهم ما انتقده الإخوة فى مقالاتى، أننى لم أذكر المصادر التى أعتمد عليها، خاصةً فى نقاطٍ حرجةٍ حاسمةٍ، مثل قولى بأن البطرك (البابا) القبطى (المونوفيزى) تيموثيوس، قتل البطرك الملكانى (الخلقيدونى) بروتيريوس، قتلةً بشعة فى مكان المعمودية بكنيسة الإسكندرية القديمة.. وكثيرٌ من الذين علَّقوا على ذلك، اتهمونى صراحةً بالكذب. ولهم فى ذلك العذرُ، لأنهم لا يعلمون.
وعلى كل حال، فسوف أورد فيما يلى ترجمةً لما ورد فى (معجم أكسفورد للكنيسة المسيحية) بصفحة رقم ١٣٦٠ فى الطبعة الصادرة عن جامعة أكسفورد البريطانية سنة ١٩٥٧، للباحث الشهير ف.كروس.. وما ورد فى صفحة ٢٥٢ من المجلد الرابع من (الموسوعة الكاثوليكية الجديدة) تحت عنوان «المسيحية القبطية» للباحث المصرى إسكندروس حبيب إسكندر «مطران أسيوط، المتوفى سنة ١٩٦٤» وفى كليهما نقرأ ما ترجمته:
«بعد مجمع خلقيدونية (سنة ٤٥١ ميلادية) رفض الأساقفة الذين اجتمعوا حول البطرك ديسقورُس، الاعتراف بالبطرك الخلقيدونى الملكانى بروتيريوس، وقاموا من بعد وفاة ديسقورُس بانتخاب بطرك آخر من بينهم، هو (تيموثيوس) القط – أو ابن عرس – وهو لقب أطلقه عليه أعداؤه، لضآلة حجمه وقصر قامته. وفى اليوم الذى كان البطرك بروتيريوس يحتفل فيه بشعائر الأسبوع المقدس (أسبوع آلام المسيح) فى الكاتدرائية، بالإسكندرية، هجم تيموثيوس ومعه أتباعه من العوام المتمر















